آخر الأخبار

من 115 إلى 94 دولارًا لبرميل «برنت».. النفط يتراجع والمغربي ينتظر عدالة الأسعار أمام محطات الوقود

تراجع خام «برنت» من 115,32 دولارًا إلى 94,62 دولارًا في أقل من أسبوع، مسجلًا أدنى مستوى له في أكثر من شهرين، فيما يتحدث خبراء عن سيناريو العودة إلى مستوى 70 دولارًا. ورغم أن هذه الأخبار تبدو مفرحة على الورق، يطرح السائق المغربي سؤالًا لا يشغل بال المحللين بالقدر نفسه: هل سينعكس هذا التراجع على أسعار المحروقات بمحطات الوقود، أم سيبقى حكرًا على شاشات البورصات وتقارير الخبراء؟

في هذا الجواب جانب مبرر وآخر يثير الشكوك. فالخبير سيريل وودرشوفن يتوقع انخفاضًا «بطيئًا»، لأن إعادة بناء المخزونات ستمتص جزءًا من الإمدادات، في وقت لا تزال فيه تكاليف الشحن والتأمين مرتفعة. لكن السؤال المشروع هو: هل أصبحت هذه العوامل العالمية ذريعة جاهزة لتفسير كل تأخر في انعكاس الانخفاضات على السوق المحلية؟ فالمغربي اعتاد أن الأسعار تصعد كالصاروخ وتهبط كالريشة.

تحرير الأسعار: وعد المنافسة أم ريع بلا رقيب؟

حُررت أسعار المحروقات في المغرب منذ سنوات، على أساس أن المنافسة ستحمي المستهلك وتنقل إليه أثر كل انخفاض في الأسواق الدولية. غير أن التجربة، إلى جانب القرارات التنظيمية التي صدرت لاحقًا في حق عدد من الموزعين، تجعل السؤال مشروعًا: هل تحققت المنافسة فعلًا، أم اكتفى السوق بإعلان حريته دون أن يمارسها على أرض الواقع؟

وتكمن المشكلة في أن المواطن لا يملك أي وسيلة للتحقق من المعطيات الحقيقية للسوق. فمن يعرف كلفة الاستيراد الفعلية، وهوامش الربح، وحجم المخزون الذي جرى شراؤه بأسعار أعلى؟ وما دامت هذه الأرقام غائبة عن النقاش العمومي، يصبح كل ارتفاع «ضرورة»، وكل انخفاض «تدريجيًا». وتزداد الصورة تعقيدًا حين يُستحضر اعتماد المغرب على استيراد المواد النفطية المكررة، بما يجعله عرضة لتقلبات سلاسل الإمداد التي وصفها الخبراء بأنها لا تزال هشة.

قنينة البوتان: دعم يلاحق أسعار النفط وفاتورة تتحملها الميزانية

يختلف الأمر بالنسبة إلى غاز البوتان، الذي لا تزال خزينة الدولة تتحمل جزءًا من كلفته عبر صندوق المقاصة. فكل تغير في أسعار الطاقة عالميًا ينعكس على كلفة الدعم التي تتحملها الميزانية العامة، بدلًا من أن يُترجم مباشرة إلى زيادة في سعر القنينة. ومن هذه الزاوية، فإن تراجع «برنت» من 115 دولارًا إلى حدود 70 دولارًا، في حال تحقق هذا السيناريو، قد يشكل متنفسًا مهمًا للمالية العمومية.

لكن هنا تحديدًا يبدأ الجدل. فعندما تنخفض فاتورة الاستيراد والدعم، هل ستُوظف الوفورات في تعزيز حماية القدرة الشرائية والحفاظ على استقرار الأسعار، أم ستُستغل لتسريع تقليص الدعم تحت ذريعة ملاءمة الظرفية؟ فالحكومات كثيرًا ما تحوّل الأزمات إلى فرص للإصلاح، بينما يعرف المواطن أن «الإصلاح» قد يعني، في نهاية المطاف، قنينة غاز أكثر كلفة.

وهنا يبرز سؤال أكبر: ما قيمة الدعم المباشر الموجه إلى الأسر، إذا ظلت الأسعار نفسها عرضة للتقلب كلما تصاعدت التوترات الجيوسياسية أو انحسرت؟ فالدعم الاجتماعي لا يعوض المواطن عن فقدان استقرار الأسعار، ولا يغني عن توفير الشفافية اللازمة لكشف الجهات المستفيدة والمتضررة من كل تحول في سوق الطاقة.

هبوط النفط ليس هدية تلقائية للمستهلك المغربي

يحذر الخبراء أنفسهم من الإفراط في التفاؤل. فأومود شوكري يرى أن مسار الأسعار يظل مرتبطًا بنتائج المفاوضات والوضع في مضيق هرمز، وأن تجدد الهجمات قد يعيد الأسعار إلى الارتفاع، فيما لا يتوقع نادر إيتيّم عودة قريبة إلى مستوى 70 دولارًا. وهذا يعني أن المغرب مطالب بألا يبني سياسة أسعاره على توقعات لم تتحقق بعد، كما ينبغي ألا يُفاجأ المواطن بقرارات تستند إلى فرضيات قد لا تصمد أمام تطورات السوق.

وإذا بلغ «برنت» مستوى 70 دولارًا يومًا ما، فلن يكون الامتحان الحقيقي في نيويورك أو لندن، بل أمام محطات الوقود في المدن المغربية: هل سيشعر المواطن فعلًا بهذا الانخفاض في جيبه، أم سيظل يراقب تراجع أسعار النفط عالميًا دون أن يلمس أثره في فاتورته اليومية، بينما تتقاسم الشركات والموزعون مكاسب السوق؟

المقال التالي