آخر الأخبار

تبدلت الحكومة وبقيت الوصفة.. المنصوري تواصل ضخ المليارات في دعم النقل وسط غياب المحاسبة

اختارت حكومة فاطمة الزهراء المنصوري مواصلة العمل بالنهج نفسه الذي رسمته حكومة عزيز أخنوش في ملف الدعم الاستثنائي الموجه إلى مهنيي النقل الطرقي، والذي انطلق قبل أكثر من أربع سنوات. وبدل أن تشكل المرحلة الحكومية الجديدة مناسبة لإعادة تقييم هذه الآلية ومراجعة طريقة تدبيرها، اتجهت الحكومة إلى تمديد العمل بها وضخ اعتمادات مالية إضافية، دون الإعلان عن مراجعة جوهرية لمعايير الاستفادة أو تقديم حصيلة واضحة تكشف ما تحقق مقابل هذه النفقات الضخمة.

11 مليار درهم صُرفت.. والحكومة لم تكشف بعد حصيلة البرنامج

وكشف وزير النقل واللوجيستيك، عبد الصمد قيوح، يوم الأربعاء، أن إجمالي المبالغ التي صرفتها الدولة منذ إطلاق البرنامج بلغ نحو 11 مليار درهم، من بينها قرابة 2,5 مليار درهم خلال السنة الجارية وحدها. كما أعلن عن تخصيص غلاف مالي إضافي يناهز 400 مليون درهم لتغطية الفترة الممتدة من فاتح إلى 15 من الشهر الجاري، بعد يومين من قرار رئيسة الحكومة مواصلة الدعم وإطلاق حصة جديدة. وهي أرقام تضع الحكومة أمام سؤال جوهري: كيف يمكن تبرير استمرار ضخ هذه المليارات دون الكشف عن تقييم دقيق لنتائج البرنامج ومدى تحقيقه للأهداف التي أُحدث من أجلها؟

مليارات من المال العام دون تقييم مستقل.. أين ذهبت نجاعة الدعم؟

ورغم تجاوز الكلفة الإجمالية للبرنامج 11 مليار درهم، لم يُعلن عن تقييم مستقل يكشف أثر هذه الاعتمادات على قطاع النقل أو مدى انعكاسها على أسعار الخدمات المقدمة للمواطنين، كما لا تزال أسئلة الاستهداف وتوزيع الدعم بين أصناف المركبات مطروحة. فاستمرار الإنفاق بالآلية نفسها دون نشر مؤشرات واضحة حول النتائج يجعل البرنامج أمام إشكال يتجاوز قيمته المالية، ليمس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وضرورة إخضاع السياسات العمومية للتقييم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمبالغ ضخمة مصدرها المال العام.

الأسر تتحمل الغلاء.. والدعم لم يوقف تراجع القدرة الشرائية

وتزداد علامات الاستفهام حين توضع أرقام الدعم أمام واقع الأسر المغربية، التي لا تزال تواجه ارتفاع تكاليف المعيشة. وفي هذا السياق، استحضر رئيس الفريق الحركي بمجلس المستشارين، امبارك السباعي، معطيات تفيد بأن 95,9 في المائة من الأسر صرحت بارتفاع أسعار المواد الغذائية خلال السنة الماضية، فيما أكدت 76,3 في المائة منها تدهور مستوى معيشتها. كما أثار تساؤلات بشأن مدى مراعاة آلية الدعم لاختلاف المسافات المقطوعة والاستهلاك الفعلي بين المركبات، ومدى وصول أثر الأموال المرصودة إلى المستهلك النهائي، بدل بقائها مجرد تحويلات مالية لا يظهر انعكاسها بوضوح في الأسعار.

المهنيون يطالبون بزيادة الدعم.. والآلية الحالية لم تنه الاحتقان

والمفارقة أن الفئات المستهدفة بالبرنامج لا تزال بدورها تطالب بمراجعة شروط الاستفادة وقيمة المبالغ المرصودة. فقد وجهت التنسيقية الوطنية للنقابات لقطاع النقل الطرقي للبضائع مراسلة إلى رئيسة الحكومة، طالبت فيها بالرفع من قيمة الدعم المخصص لكل مركبة بأكثر من 60 في المائة، وصرفه في بداية كل شهر ما دام سعر الغازوال يتجاوز 12 درهماً للتر. وتعكس هذه المطالب استمرار حالة التذمر داخل القطاع، وتطرح علامات استفهام حول مدى قدرة الآلية الحالية على الاستجابة للتحولات التي يعرفها سوق المحروقات وتخفيف الأعباء عن المهنيين.

منصة مغلقة ومستحقات عالقة.. اختلالات تلاحق برنامجاً بمليارات الدراهم

ولم تقف انتقادات النقابات عند قيمة الدعم وتوقيت صرفه، بل امتدت إلى اختلالات إدارية تقول إنها رافقت البرنامج منذ انطلاقه، مطالبة بإعادة فتح المنصة الإلكترونية أمام المهنيين الذين تعذر عليهم التسجيل خلال حصتين سابقتين، وتسوية الملفات العالقة وصرف المستحقات التي لم تصل إلى أصحابها. كما أعادت المراسلة التذكير بالتزامات سابقة، من بينها صرف الدعم شهرياً ما دام سعر الغازوال يتجاوز 12 درهماً للتر، وهي مطالب تكشف أن البرنامج، رغم كلفته المالية المرتفعة واستمراره لأكثر من أربع سنوات، لا يزال يواجه إشكالات مرتبطة بأبسط شروط التدبير والانتظام في صرف المستحقات.

المنصوري أمام اختبار المحاسبة.. هل تراجع وصفة أخنوش أم تكتفي بمواصلة صرف المليارات؟

وبين انتقادات البرلمانيين، وشكاوى المهنيين، واستمرار معاناة الأسر مع الغلاء، تجد حكومة فاطمة الزهراء المنصوري نفسها أمام اختبار سياسي وتدبيري يتجاوز الإعلان عن دفعات مالية جديدة. فالمطلوب اليوم ليس فقط مواصلة الدعم، بل الكشف عن كيفية صرف 11 مليار درهم، وتحديد المستفيدين الفعليين، وتقديم تقييم واضح لمدى تأثير البرنامج على كلفة النقل والأسعار. أما الاكتفاء بتكرار الوصفة التي اعتمدتها الحكومة السابقة، دون مراجعة أو مساءلة أو نشر حصيلة دقيقة، فيجعل التغيير الحكومي في هذا الملف أقرب إلى تغيير في الوجوه منه إلى تغيير في الاختيارات.

المقال التالي