آخر الأخبار

9475 سجيناً يتابعون دراستهم بالمغرب و325 يحصلون على شهادات جامعية من خلف القضبان

في الوقت الذي تتواصل فيه النقاشات حول اختلالات المنظومة التعليمية بالمغرب، تكشف أرقام المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج عن واقع يثير مفارقة لافتة: آلاف السجناء يتابعون دراستهم خلف القضبان، وبعضهم يصل إلى الحصول على شهادات جامعية ودكتوراه، في وقت لا تزال فيه أسئلة تكافؤ الفرص وجودة التعليم والهدر المدرسي تلاحق المدرسة المغربية. فقد بلغ عدد السجناء المسجلين بمختلف الأسلاك التعليمية 9475 نزيلاً خلال الموسم الدراسي الجاري، بزيادة قدرها 6.95 في المائة مقارنة بالموسم السابق، فيما حصل 325 سجيناً على شهادات جامعية تشمل الإجازة والماستر والدكتوراه.

من الزنزانة إلى الجامعة.. حين تصبح الأسوار فضاءً للتحصيل العلمي

وخلال عرض الميزانية الفرعية للمندوبية أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، الأربعاء، كشف محمد صالح التامك أن عدد السجناء الحاصلين على شواهد تعليمية بلغ 4013 نزيلاً، بارتفاع نسبته 48.85 في المائة مقارنة بالموسم السابق. كما استفاد 762 سجيناً من برنامج «الفرصة الثانية، الجيل الجديد»، الذي شمل 18 مؤسسة سجنية، محققاً نسبة نجاح بلغت 86.96 في المائة في الامتحانات الموحدة. وبلغ عدد المستفيدين من التعليم الجامعي 2495 سجيناً داخل 11 فضاءً جامعياً بالسجون، بينما استفاد 5910 سجناء من برامج محو الأمية، إلى جانب برنامج «ما بعد الألفية» الذي استهدف 562 سجيناً وسجينة داخل 11 مؤسسة.

السجن يؤهل والمدرسة تواجه الاختلالات.. مفارقة تستحق المساءلة

هذه الأرقام لا تطرح فقط سؤال نجاح التعليم داخل المؤسسات السجنية، بل تفتح نقاشاً أوسع حول قدرة المؤسسات العمومية على توفير فرص التعلم خارج أسوار السجون. فحين تتحول الزنازين إلى فضاءات لمحو الأمية والتكوين الجامعي، يصبح من المشروع التساؤل عن أسباب استمرار التعثر والهدر المدرسي في الوسط الاجتماعي، وعن مدى قدرة المدرسة على احتضان المتعلمين ومنحهم فرصاً متكافئة. ولا يتعلق الأمر بالمقارنة بين وضعيتين مختلفتين، بقدر ما يتعلق بطرح سؤال الإنصاف في توزيع فرص التعليم والتأهيل، حتى لا يصبح الحصول على فرصة ثانية أكثر وضوحاً داخل السجن منه خارجه.

شهادات وتكوينات بالجملة.. لكن سوق الشغل لا ينتظر خلف أبواب السجون

ولم تتوقف برامج التأهيل عند حدود الدراسة، إذ بلغ عدد المستفيدين من التكوين المهني والحرفي 8730 سجيناً، بزيادة قدرها 5 في المائة، مع تسجيل نسبة ولوج بلغت 96.47 في المائة. وشملت هذه البرامج 2042 مستفيداً في إطار التعاون مع الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات ومؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، فضلاً عن 1890 مستفيداً من التكوين الحرفي والفني داخل 27 مركزاً بيداغوجياً. كما استفاد 220 سجيناً من النسخة السادسة لبرنامج «فرصة وإبداع»، فيما يجري التحضير لبرنامج «الكنوز الحرفية» بشراكة مع قطاع الصناعة التقليدية واليونسكو، إلى جانب تنظيم النسخة الثامنة من مسابقة «أحسن منتوج حرفي».

تأهيل خلف القضبان.. مشاريع إنتاجية تصطدم بعجز التسويق وضعف انخراط المقاولات

وفي مجال التشغيل والإنتاج، استفاد 558 سجيناً من وحدات الزرابي والخياطة وتثمين الحبوب والتوابل وتحويل المنتجات النباتية وفرز النفايات القابلة لإعادة التدوير، مع تطوير مشروع «سجون منتجة». غير أن هذه المبادرات تصطدم بمحدودية فضاءات الإنتاج وضعف انخراط الفاعلين الاقتصاديين وصعوبات تسويق المنتوجات، وهي اختلالات تطرح علامات استفهام حول قدرة التكوين على التحول إلى فرص عمل حقيقية بعد الإفراج. وقد أعلنت المندوبية عن تنظيم منتدى خاص بتشغيل السجناء سنة 2027، في محاولة لمعالجة الفجوة بين التأهيل داخل المؤسسات السجنية ومتطلبات سوق الشغل خارجها.

جامعة داخل السجن وخصاص في الأطباء.. إصلاح يصطدم بتناقضات ثقيلة

وبينما تتوسع البرامج التعليمية والتكوينية، لا تزال ظروف الاعتقال والرعاية الصحية تطرح تحديات واضحة. فقد بلغ عدد الخدمات الطبية المقدمة للسجناء نحو 500 ألف خدمة، من بينها أكثر من 380 ألف فحص إلى غاية نهاية شتنبر، واستفاد 8075 سجيناً من التلقيح ضد التهاب السحايا داخل 16 مؤسسة. كما نُظمت 11 حملة طبية متعددة التخصصات، وشملت التدخلات الكشف عن السل والأمراض المنقولة جنسياً وفيروس نقص المناعة البشرية والتهاب الكبد الفيروسي، إلى جانب استفادة 193 سجيناً من العلاج بالميثادون. وافتُتحت وحدتان لتصفية الدم بالرشيدية والداخلة، غير أن التامك أقر باستمرار خصاص ملحوظ في الأطباء والأطر الصحية، داعياً إلى تعزيز مساهمة وزارة الصحة وإدراج المؤسسات السجنية ضمن الخريطة الصحية للمجموعات الصحية الترابية.

هل تنجح الدولة في إعادة الإدماج أم تكتفي بتخريج سجناء بشهادات؟

وتتواصل مشاريع تحسين ظروف الاعتقال عبر افتتاح السجن المحلي الجديد ببقريز، واستمرار بناء مؤسسات سجنية بالحسيمة وشيشاوة والعرجات 3 ورأس الماء 2، إلى جانب مشاريع التوسعة والترميم، ودراسات لإنجاز مؤسسات جديدة، من بينها المركب السجني بمديونة لتعويض مركب عين السبع «عكاشة»، ومشاريع بأسا الزاك وتنغير، ومؤسسة جديدة لتعويض السجن المحلي بصفر. كما شملت التحسينات الأفرشة والأسرة والتلفاز والتغذية والمطابخ، مع وصول عدد المؤسسات المتوفرة على وحدات إنتاج الخبز إلى 47، واستفادة نحو 90 في المائة من السجناء من هذه الخدمة. لكن الرهان الحقيقي لا يتوقف عند عدد الشهادات أو المراكز التعليمية، بل يمتد إلى قدرة هذه البرامج على منح السجين فرصة فعلية لبداية جديدة، وضمان ألا تتحول الشهادات المحصل عليها خلف القضبان إلى مجرد أرقام في حصيلة سنوية، دون أثر ملموس على مستقبل أصحابها بعد مغادرة السجن.

المقال التالي