آخر الأخبار

الدولة تبيع محاكمها ومستشفياتها ثم تكتريها بالمليارات.. من ربح من «التمويلات المبتكرة»؟

تجد حكومة فاطمة الزهراء المنصوري نفسها أمام فاتورة سنوية تناهز 7 مليارات درهم، عنوانها كراء عقارات عمومية سبق أن باعتها الدولة إلى مستثمرين مؤسساتيين. وبذلك، تؤدي الدولة اليوم مقابل استغلال بنايات كانت في ملكيتها، في مفارقة تختصر حصيلة آلية «التمويلات المبتكرة». وقد توسع اللجوء إلى هذه الآلية بشكل كبير خلال الولاية الحكومية السابقة، بقيادة عزيز أخنوش.

ميزانية بلا «ابتكار» وفاتورة بلا هوادة

يأتي هذا الملف في وقت تشرع فيه الحكومة في مناقشة مشروع قانون المالية للسنة المقبلة، الذي تقرر إعداده دون احتساب مداخيل هذه الآلية. وقد نص على ذلك منشور رئيس الحكومة رقم 12، الصادر يوم الأربعاء، أي قبل تشكيل الحكومة الجديدة، التي أتمت إعداد المشروع قبل أن يصادق عليه مجلس الحكومة يوم الثلاثاء. وهكذا، تتوقف السيولة التي وفرتها هذه العمليات، فيما تظل واجبات الكراء قائمة دون انقطاع.

سبعة مليارات اليوم وعشرة غداً.. كلفة تتمدد

كشف والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، أن واجبات كراء هذه العقارات بلغت نحو 7 مليارات درهم خلال السنة الماضية. ونقلت تقارير سابقة عن مصادر مصرفية أن هذه الكلفة مرشحة للارتفاع مع دخول العقود المبرمة حيز التنفيذ. وإذا اتسع حجم الأصول المفوتة، فقد تتجاوز الفاتورة 10 مليارات درهم سنوياً على المدى الطويل، وهو رقم يطرح تساؤلات بشأن الكلفة الحقيقية لما قُدّم على أنه حل مبتكر.

167 مليار درهم.. أرقام تُعلن ولا تُفسَّر

انطلقت هذه الآلية قبل تولي حكومة أخنوش مهامها، وظلت حصيلتها محدودة نسبياً خلال سنواتها الثلاث الأولى. ثم ارتفعت الموارد المحصلة من 23,6 مليار درهم في السنة الأولى من ولاية تلك الحكومة إلى 25,4 ملياراً، ثم 35,3 ملياراً، قبل أن تبلغ 40,1 مليار درهم في سنتها الأخيرة. وبلغ مجموع ما عُبّئ خلال أربع سنوات 124,4 مليار درهم، فيما تجاوزت الحصيلة الإجمالية 167 مليار درهم إلى حدود الأسابيع الأخيرة، وفق وثيقة لوزارة الاقتصاد والمالية قُدّمت خلال مناقشة مشروع قانون المالية.

تمويل مبتكر أم اقتراض مقنّع؟

تشمل العقارات المفوتة بنايات إدارية ومؤسسات صحية ومحاكم ومرافق جامعية وتعليمية، أي مؤسسات ومرافق تقدم خدمات يومية للمواطنين. وتبرر وزارة الاقتصاد والمالية اللجوء إلى هذه الآلية بتمكين الدولة من تعبئة موارد إضافية لتمويل الاستثمار والمشاريع الهيكلية، دون اللجوء إلى الاقتراض المباشر. غير أن عقود الكراء الممتدة لسنوات تظل التزاماً مالياً ثقيلاً، ما يفتح النقاش حول الفارق الفعلي بين هذه الصيغة والاقتراض التقليدي.

عقود في الظل.. ما لا يعرفه المواطن عن ملكه

رغم حجم المبالغ المتداولة، لا تزال معطيات أساسية غير متاحة للعموم، أبرزها القيمة التي بيع بها كل عقار، ومدة عقود الكراء، والمبالغ المؤداة سنوياً مقابل استغلال كل أصل. كما تغيب الكلفة الإجمالية التي ستتحملها الدولة إلى نهاية العقود، فضلاً عن الشروط التي تتيح استرجاع الملكية بعد انتهاء مدد الاستغلال، والمبالغ الإضافية التي قد يلزم أداؤها لتحقيق ذلك. إنها أرقام تتعلق بالملك العمومي، ومع ذلك يظل الرأي العام محروماً من الاطلاع عليها.

إرث لا يسقط بتغيير الحكومة

لا تبدأ الحكومة الجديدة تدبير هذا الملف من نقطة الصفر، بل ترث عقوداً والتزامات مالية ترتبت عن اختيارات سابقة. فالأموال التي دخلت الخزينة تقابلها واجبات أداء مستمرة، لا تتوقف بتغيير الحكومة ولا بالتخلي عن الآلية التي أنتجتها. وسيظل تقييم حصيلة هذه التجربة رهيناً بالكشف عن العلاقة بين ما قبضته الدولة وما ستواصل دفعه مقابل استغلال ممتلكاتها السابقة.

المقال التالي