آخر الأخبار

نهاية 35 سنة من المينورسو.. المغرب يدخل مرحلة جديدة في تدبير قضية الصحراء وسط تحولات دولية لافتة

تدخل قضية الصحراء المغربية، ابتداء من فاتح نونبر 2026، مرحلة جديدة من تاريخها، بعد انتهاء الولاية القانونية لبعثة الأمم المتحدة “المينورسو”، التي ظلت حاضرة بالمنطقة منذ سنة 1991، في تطور غير مسبوق يفتح الباب أمام إعادة ترتيب آليات تدبير هذا النزاع الإقليمي، ويضع المغرب أمام منعطف سياسي واستراتيجي مختلف عن السياق الذي طبع العقود الثلاثة الماضية.

وجاء هذا التطور بعدما فشل مجلس الأمن الدولي، خلال اجتماعه المنعقد يوم 30 أكتوبر الماضي، في اعتماد مشروعي القرار الأمريكي والروسي بشأن مستقبل البعثة. فالمشروع الأمريكي، الذي حظي بتأييد 11 عضواً، أسقطه الفيتو الروسي، رغم أنه تضمن توجهاً جديداً يقوم على إعادة هيكلة المهمة الأممية، والتخلي عن بعض وظائفها التقليدية، مع جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً للتفاوض. في المقابل، لم يتمكن المشروع الروسي الداعي إلى تمديد الولاية بصيغتها الحالية من الحصول على الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده، بعدما نال ثلاثة أصوات فقط مقابل صوت معارض وامتناع 11 عضواً.

وبهذا، وجدت المينورسو نفسها أمام نهاية ولايتها دون قرار جديد يضمن استمرارها، لتطوى بذلك صفحة استمرت 35 سنة، لم تنجح خلالها الأمم المتحدة في تنظيم الاستفتاء الذي أنشئت البعثة أساساً للمساعدة في التحضير له. وهو ما يعيد طرح تساؤلات جوهرية حول جدوى استمرار آليات أممية ظلت قائمة لعقود، في وقت تغيرت فيه المعطيات السياسية والدبلوماسية بشكل كبير، وأصبحت مبادرة الحكم الذاتي المغربية تحظى بدعم دولي متزايد باعتبارها أرضية واقعية لتسوية النزاع.

ومن زاوية الرباط، لا يتعلق الأمر بمجرد انتهاء مهمة بعثة أممية، بل بتحول في طريقة التعامل مع قضية الصحراء المغربية، وهو ما عكسته مضامين بلاغ الديوان الملكي الصادر في 30 أكتوبر، حين اعتبر عدم تجديد ولاية المينورسو تطوراً مهماً وخطوة نحو الطي النهائي للملف داخل الأمم المتحدة، مؤكداً ضرورة إنهاء وجود أفراد البعثة ومركباتها ومعداتها ورموزها بالأقاليم الجنوبية خلال الأيام المقبلة. كما ربط البلاغ هذا التحول بالانتقال من منطق تدبير النزاع إلى منطق تغيير محدداته بصورة عميقة.

وتكمن أهمية المرحلة المقبلة في كون المغرب بات مطالباً بتدبير الوضع الميداني وفق مقاربة تحافظ على الأمن والاستقرار، وتحمي وحدته الترابية، دون أن يعني انتهاء الولاية الأممية حدوث تغيير عسكري تلقائي في المنطقة العازلة أو اختفاء البعثة من الميدان في ليلة واحدة. فعملية سحب الأفراد والمعدات وإغلاق المنشآت الأممية تقتضي ترتيبات لوجستية وإدارية، بينما يظل أي تغيير في الوضع الميداني مرتبطاً بالقرارات والتطورات الرسمية على الأرض.

وفي المقابل، يثير غياب المراقبة الميدانية التي كانت تضطلع بها المينورسو مخاوف بشأن احتمال وقوع حوادث أو تصعيد على طول خط وقف إطلاق النار، خصوصاً في ظل استمرار التوترات منذ سنة 2020. لذلك، فإن المرحلة الجديدة تفرض يقظة أمنية ودبلوماسية، وتستدعي تفادي أي مغامرة من شأنها تهديد الاستقرار الإقليمي أو تعريض المدنيين للخطر.

أما سياسياً، فإن أحد أبرز التحولات التي تخدم المقاربة المغربية يتمثل في أن النقاش الدولي لم يعد محصوراً في الصيغة التقليدية التي تأسست عليها البعثة قبل أكثر من ثلاثة عقود، بل أصبح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يحتل موقعاً مركزياً في مسار البحث عن تسوية سياسية. كما أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025 كان قد جعل المبادرة المغربية أساساً للمفاوضات، وأشار إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يشكل النتيجة الأكثر قابلية للتطبيق.

ومع ذلك، فإن انتهاء ولاية المينورسو لا يعني قانونياً اختفاء قضية الصحراء من أجندة الأمم المتحدة، ولا إلغاء المسار السياسي أو دور المبعوث الشخصي للأمين العام، ستافان دي ميستورا. غير أن المغرب يراهن على أن التحولات التي عرفها الملف، إلى جانب تنامي الدعم لمقترح الحكم الذاتي، ستفتح المجال أمام الانتقال إلى تسوية نهائية تنهي عقوداً من الانتظار والتجاذبات الإقليمية.

وبين نهاية الوجود الأممي بصيغته القديمة واستمرار المعركة الدبلوماسية، تبدو المملكة أمام اختبار جديد لتثبيت مكتسباتها السياسية وحماية استقرار أقاليمها الجنوبية. فالمغرب الذي ظل يؤكد أن الحل لا يمكن أن يكون خارج إطار سيادته ووحدته الترابية، يدخل هذه المرحلة مستنداً إلى مبادرة الحكم الذاتي وإلى شبكة من المواقف الدولية الداعمة لها، في وقت باتت فيه الحاجة إلى تسوية سياسية واقعية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

وهكذا، فإن انتهاء 35 سنة من المينورسو لا يمثل مجرد حدث إداري داخل أروقة الأمم المتحدة، بل يشكل منعطفاً في مسار قضية الصحراء المغربية، ستكون نتائجه مرتبطة بقدرة المملكة على تحويل التحولات الدبلوماسية إلى مكاسب سياسية وميدانية مستدامة، مع الحفاظ على الأمن والاستقرار، وصولاً إلى تسوية نهائية تحفظ للمغرب وحدته الترابية.

المقال التالي