من 300 إلى 600 درهم للاستشارة.. هل ترك المغاربة وحدهم في مواجهة أسعار الأطباء الخواص وتعويضات CNSS المحدودة؟

يتسع النقاش حول الارتفاع المتواصل لتكاليف العلاج بالقطاع الخاص في المغرب، في ظل الفجوة الكبيرة بين الأسعار التي يفرضها بعض الأطباء الخواص والتعريفة الوطنية المرجعية التي يعتمدها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) لاحتساب التعويضات الصحية، وهي وضعية تضع شريحة واسعة من المواطنين أمام مصاريف إضافية تثقل كاهل ميزانياتهم، خصوصاً الأسر التي تحتاج إلى متابعة طبية منتظمة.
ولم تعد تكلفة الاستشارة الطبية لدى بعض الأطباء المختصين تقتصر على 300 درهم، إذ تصل في عدد من العيادات إلى 400 و500 درهم، بل إن هناك أطباء يحددون أسعار استشاراتهم في 600 درهم أو أكثر، دون أن يعني ذلك بالضرورة حصول المريض على خدمات إضافية تتناسب مع المبلغ الذي يؤديه. وفي المقابل، لا تزال التعريفة الوطنية المرجعية المعتمدة لاحتساب التعويض عن استشارة الطبيب المختص محددة في 150 درهماً.
وتزداد حدة المفارقة عند احتساب قيمة التعويض، إذ لا يسترجع المؤمن، وفق نسبة 70 في المائة المعتمدة في هذا المثال، سوى 105 دراهم عن استشارة طبيب مختص، إذا كانت التعريفة المرجعية هي 150 درهماً. بمعنى أن المواطن الذي يؤدي 300 درهم يتحمل من جيبه 195 درهماً، بينما ترتفع مساهمته إلى 495 درهماً إذا بلغت الاستشارة 600 درهم، دون احتساب أي فحوصات أو تحاليل إضافية قد يطلبها الطبيب.
وأمام هذه الأرقام، تبرز أسئلة جوهرية حول دور منظومة الحماية الاجتماعية في حماية القدرة الشرائية للمواطنين: كيف يمكن مطالبة المؤمنين بالانخراط في نظام للتغطية الصحية، بينما تظل التعويضات محتسبة على أساس تعريفة لا تواكب الأسعار المتداولة في القطاع الخاص؟ ومن يتحمل مسؤولية اتساع الهوة بين ما يؤديه المريض فعلياً وما يسترجعه من الصندوق؟ وهل أصبح الولوج إلى العلاج الجيد مرتبطاً بالقدرة المالية للمواطن أكثر من ارتباطه بحق الاستفادة من التغطية الصحية؟
ولا يبدو أن معالجة هذه الإشكالية يمكن أن تقتصر على مراجعة تعويضات CNSS وحدها، بل تستدعي مقاربة متكاملة تقوم على مسارين متوازيين؛ أولهما إصلاح التعريفة الوطنية المرجعية وتحيينها بما يتناسب مع التطورات التي عرفتها أسعار الخدمات الطبية وتكاليف الممارسة المهنية، وثانيهما وضع آليات أكثر وضوحاً لتسقيف أسعار الاستشارات الطبية، أو على الأقل ضبطها وفق معايير موضوعية تراعي التخصص والخبرة وطبيعة الخدمات المقدمة.
كما تبرز ضرورة تعزيز المراقبة على الأسعار المطبقة داخل العيادات الخاصة، وضمان الشفافية في إخبار المرضى بتكلفة الاستشارات والفحوصات قبل الاستفادة منها، مع إرساء آليات للتبليغ والتدخل عند تسجيل ممارسات غير مبررة أو تجاوزات تمس بحقوق المواطنين. فحرية ممارسة المهنة وتحديد الأتعاب ينبغي أن تواكبها مسؤولية اجتماعية ورقابة تضمن عدم تحول العلاج إلى عبء مالي يفوق قدرة الأسر.
وفي ظل الرهان الوطني على تعميم الحماية الاجتماعية، يصبح من الضروري طرح سؤال أساسي: هل يكفي توسيع قاعدة المستفيدين من التغطية الصحية إذا كانت التعويضات لا تواكب التكلفة الحقيقية للعلاج؟ إن إصلاح التعريفة المرجعية، بالتوازي مع تنظيم أسعار الخدمات الطبية وتعزيز المراقبة، لم يعد مجرد مطلب تقني أو نقاش مهني، بل أصبح قضية اجتماعية ترتبط مباشرة بحق المغاربة في العلاج وبقدرتهم على الاستفادة الفعلية من الحماية الصحية دون استنزاف مدخراتهم.

تعليقات