مسودة القرار الأمريكي بشأن الصحراء.. الحكم الذاتي مرجعية وحيدة للتفاوض ومقترح لإعادة هيكلة البعثة الأممية

وضعت الولايات المتحدة الأمريكية الصيغة النهائية الأولية لمشروع قرار مجلس الأمن بشأن الصحراء المغربية، المعروفة بـ”المسودة الزرقاء”، تمهيدا للتصويت المرتقب اليوم الجمعة، وذلك عقب مشاورات بين أعضاء المجلس أفضت إلى إدخال تعديلات على عدد من مقتضيات النص، مع الإبقاء على توجهاته السياسية الأساسية.
وتتضمن المسودة مستجدات بارزة، في مقدمتها اعتماد مقترح الحكم الذاتي المغربي الموسع والمحدث أساسا وحيدا للمفاوضات، إلى جانب تغيير تسمية البعثة الأممية وإعادة النظر في مهامها، فضلا عن توسيع دائرة المشاورات لتشمل مكونات صحراوية خارج الأطراف المتفاوضة.
توافق بين القوى الكبرى حول التوجهات الأساسية
وحسب المعطيات المتاحة، جاءت الصيغة الجديدة للمشروع عقب توافق بين الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا، بعد إدخال تعديلات على بعض البنود دون المساس بجوهر التوجهات السياسية للنص.
ولا يقتصر الأمر على التمديد الدوري لولاية البعثة الأممية، بل يتجاوز ذلك إلى تكريس مرجعية تفاوضية أكثر تحديدا، مع التمهيد لإعادة صياغة طبيعة الحضور الأممي في المنطقة، وتوسيع قاعدة المشاركة في المشاورات المتعلقة بمستقبل التسوية.
الحكم الذاتي المغربي.. المرجعية الوحيدة للمفاوضات
ويبرز أبرز تحول في المسودة من خلال اعتماد مقترح الحكم الذاتي المغربي الموسع والمحدث باعتباره “الأساس الوحيد” لمواصلة المناقشات، وهي صياغة تحمل دلالات سياسية مهمة، بالنظر إلى انتقال المبادرة المغربية من مجرد مقترح مطروح للنقاش إلى مرجعية حصرية للعملية التفاوضية.
كما يدعو النص الأطراف المعنية إلى تقديم ردودها انطلاقا من هذه المرجعية، بما يجعل النقاش المستقبلي منصبا على تفاصيل مشروع الحكم الذاتي وترتيبات تطبيقه والضمانات المرتبطة به، ويقلص هامش العودة إلى مسارات تفاوضية منفصلة عنه.
وفي المقابل، تحتفظ المسودة بالتأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين، مع الإحالة إلى مبدأ تقرير المصير، في إطار المسار التفاوضي المرتبط بمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
إسقاط الاستفتاء من اسم البعثة الأممية
ومن بين المستجدات اللافتة أيضا، تمديد ولاية البعثة الأممية إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع تغيير اسمها ابتداء من فاتح نونبر 2026 إلى “بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية”، المعروفة اختصارا بـ”مينوسو”، عوض التسمية الحالية “مينورسو”.
ويحمل حذف الإشارة إلى الاستفتاء من اسم البعثة دلالة سياسية تتجاوز الجانب الاصطلاحي، إذ يعكس توجها نحو إعادة تكييف الإطار الأممي مع طبيعة المسار التفاوضي الجديد، بعيدا عن الصيغة التي ارتبطت تاريخيا بمهمة تنظيم الاستفتاء.
وفي السياق ذاته، يطلب مشروع القرار من الأمين العام للأمم المتحدة تقديم مقترحات مفصلة قبل 30 يناير 2027، بشأن الهيكلة المستقبلية للبعثة وحجم حضورها، بما يشمل تقليص عدد الأفراد النظاميين وإغلاق بعض المواقع أو دمجها، فضلا عن مراجعة ترتيبات مراقبة وقف إطلاق النار والأعمال المتعلقة بالألغام ودعم العملية السياسية.
ويحتفظ مجلس الأمن بصلاحية اتخاذ القرار بشأن مستقبل البعثة، بما في ذلك إمكانية تغيير طبيعة ولايتها، استنادا إلى المقترحات المنتظرة ومدى التقدم المحرز في المفاوضات.
توسيع المشاورات وإشراك أصوات صحراوية جديدة
ومن النقاط التي تكتسي أهمية خاصة في المسودة، تكليف المبعوث الشخصي للأمين العام بتوسيع مشاوراته لتشمل مختلف المكونات الصحراوية، سواء داخل الإقليم أو في مخيمات اللاجئين والشتات، بما في ذلك الأطراف والشخصيات الموجودة خارج دائرة المفاوضات الحالية.
ومن شأن هذا التوجه أن يفتح المجال أمام إدراج تصورات ومطالب ومصالح اجتماعية وسياسية متنوعة ضمن التقارير الأممية، بما يمنح مكونات صحراوية إضافية فرصة للمساهمة في النقاش بشأن مستقبل التسوية.
كما قد يحد هذا الانفتاح من احتكار جبهة البوليساريو لتمثيل المواقف الصحراوية داخل المشاورات السياسية، عبر إتاحة المجال أمام مخاطبين آخرين للتعبير عن تصوراتهم ومواقفهم بشأن الحل المرتقب.
تسجيل اللاجئين بتندوف ضمن المستجدات الإنسانية
وعلى المستوى الإنساني، تتضمن المسودة دعوة إلى استكمال عملية تسجيل اللاجئين في منطقة تندوف جنوب الجزائر خلال ستة أشهر، وفقا للقانون الدولي والمعايير المعتمدة لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وتشدد المقتضيات ذات الصلة على ضرورة ضمان الوصول إلى المعنيين وحرية تنقلهم، مع عدم التدخل في عملية التسجيل، وربط هذه الخطوة بتقييم الحلول المستدامة، بما يتيح توفير معطيات أكثر دقة بشأن الوضعية السكانية والاحتياجات الإنسانية ومتطلبات الحماية.
دور أمريكي في تيسير المفاوضات وقيادة أممية للمسار
وتؤكد المسودة استمرار القيادة الأممية للعملية السياسية، مع دعم الدور الأمريكي في تيسير المناقشات بين الأطراف، إلى جانب مطالبة الأمين العام بتقديم إحاطات منتظمة طوال فترة الولاية الجديدة.
وتعكس مجمل هذه المقتضيات توجها نحو مرحلة جديدة في تدبير ملف الصحراء، عنوانها اعتماد مرجعية تفاوضية أكثر وضوحا، وإعادة هيكلة الحضور الأممي، وتوسيع دائرة المشاركة السياسية والإنسانية، في انتظار ما ستسفر عنه عملية التصويت بمجلس الأمن.

تعليقات