آخر الأخبار

مصدر خاص يكشف لمغرب تايمز خبايا الانقطاعات الكهربائية بالمغرب.. هل بدأ التقنين الصامت عبر تخفيض الأحمال؟

لم تعد الانقطاعات الكهربائية التي شهدتها مناطق متفرقة بالمغرب خلال الأيام الأخيرة مجرد حوادث عابرة يمكن التعامل معها باعتبارها أعطابا محلية معزولة، بعدما تزامنت معطيات متفرقة عن اضطرابات بالشبكة الوطنية مع تسجيل انقطاعات في مناطق متباعدة جغرافيا، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات متزايدة حول الأسباب الحقيقية لما يحدث، ومدى ارتباطه بوضعية العرض والطلب على الطاقة الكهربائية بالمملكة.

وفي إطار محاولة تفكيك هذا الملف، تواصل طاقم مغرب تايمز مع عدد من المتخصصين والمهنيين العاملين في قطاع الكهرباء والطاقة، غير أن تعدد التفسيرات، وغياب توضيح وطني شامل، جعلا الصورة لا تزال يكتنفها الكثير من الغموض، خصوصا أن بعض المعطيات التي حصل عليها الموقع تفتح الباب أمام فرضيات تتجاوز مجرد الأعطاب التقنية المعتادة.

مصدر مهني يتحدث عن إجراءات لحماية الأمن الكهربائي المغربي

مصدر خاص من إحدى الشركات الجهوية متعددة الخدمات المكلفة بتوزيع الكهرباء، أوضح لمغرب تايمز أن الانقطاعات الأخيرة ترتبط، وفق المعطيات التي يتوفر عليها، بإجراءات تستهدف الحفاظ على توازن المنظومة الطاقية الوطنية وضمان استقرارها، مشيرا إلى أن الأمر قد يكون مرتبطا بما وصفه بالحفاظ على الأمن الكهربائي المغربي.

وحسب المصدر ذاته، فإن تدبير هذه الوضعية قد يقتضي اللجوء إلى تخفيض الأحمال الكهربائية في مناطق معينة، خصوصا تلك التي تحتضن عددا كبيرا من المصانع والوحدات الصناعية، ولاسيما الصناعات الثقيلة التي تستهلك كميات كبيرة من الطاقة. وأوضح أن عددا من هذه الوحدات يتمركز في هوامش المدن والمناطق شبه القروية، وهو ما قد يفسر وصول الانقطاعات إلى قرى ومداشر مجاورة للمناطق الصناعية.

وأضاف المصدر أن جهة مراكش آسفي كانت، وفق تقديره، من أكثر الجهات تأثرا بهذه الانقطاعات، لافتا أيضا إلى أن المناطق التي تضم ضيعات فلاحية كبرى، وتستعمل تجهيزات ضخ المياه والري ذات الاستهلاك المرتفع، قد تكون ضمن المناطق التي تتأثر بإجراءات تخفيض الأحمال.

وتطرح هذه المعطيات سؤالا جوهريا حول طبيعة التدابير التي يجري اعتمادها: هل يتعلق الأمر بإجراءات تقنية استباقية لحماية الشبكة من الانهيار، أم أن المغرب بدأ فعليا في اعتماد شكل من أشكال تقنين التزويد بالكهرباء، دون إعلان رسمي عن ذلك؟

هل يعاني المغرب نقصا في الإمدادات الكهربائية؟

في مقابل هذه المعطيات، تتداول أصوات إعلامية ومهنية فرضية أخرى أكثر إثارة للقلق، تتعلق باحتمال وجود صعوبات في تأمين الإمدادات الكهربائية بما يتناسب مع الطلب المتزايد، وهي فرضية تستحق التدقيق بعيدا عن التهويل أو التطمين غير المستند إلى الأرقام.

وتكشف معطيات مديرية الدراسات والتوقعات المالية التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية، المنشورة في شتنبر 2026، أن واردات المغرب من الكهرباء ارتفعت بنسبة 31,7 في المائة خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة الجارية، مقابل نمو الإنتاج الوطني بنسبة 2,5 في المائة فقط، في حين ارتفع الاستهلاك بنسبة 9,4 في المائة، وتراجعت الصادرات الكهربائية بنسبة 44,2 في المائة.

هذه الأرقام لا تعني بالضرورة أن المغرب يعاني عجزا في إنتاج الكهرباء، لكنها تكشف عن تطور يستحق التوقف عنده، يتمثل في نمو الطلب بوتيرة أسرع من الإنتاج المحلي، والاعتماد المتزايد على الواردات لتغطية جزء من الاحتياجات الوطنية.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل أصبحت الواردات الكهربائية تلعب دورا أكبر في ضمان التوازن بين العرض والطلب؟ وهل يمكن أن تؤدي أي اضطرابات في الإمدادات الخارجية، أو محدودية القدرة على الاستيراد في أوقات الذروة، إلى دفع الجهات المكلفة بالتدبير إلى تقليص الأحمال في بعض المناطق؟

كما يطرح ارتفاع الاستهلاك تساؤلات حول مدى كفاية الاحتياط المتاح لمواجهة الارتفاعات المفاجئة في الطلب، خاصة في ظل التوسع الصناعي والفلاحي والعمراني الذي تعرفه المملكة.

عطب تقني أم اختلال في توازن الشبكة؟

المعطيات الرسمية المتاحة تقدم تفسيرا تقنيا مهما، إذ أعلنت الشركة الجهوية متعددة الخدمات درعة تافيلالت، يوم 28 أكتوبر، تسجيل اضطراب مرتبط بعطب على مستوى الشبكة الكهربائية الوطنية، استدعى اللجوء إلى تخفيض اضطراري للأحمال الكهربائية على شبكة التوزيع الإقليمية، مع احتمال امتداد الانقطاعات إلى مناطق أخرى إذا استمر الخلل.

كما تحدثت تقارير محلية عن تعبئة الفرق التقنية لتحديد مصدر العطب وإصلاحه في مناطق من إقليم تنغير ونواحي دادس، بينما سجلت مناطق أخرى انقطاعات متزامنة أو متقاربة زمنيا.

ومن الناحية التقنية، لا تقتصر أسباب اضطرابات الشبكات الكهربائية على نقص الإنتاج، إذ يمكن أن تنتج عن أعطاب خطوط النقل ذات الجهد العالي، أو خروج محول كهربائي عن الخدمة، أو تعطل إحدى وحدات الإنتاج بشكل مفاجئ، أو حدوث قصر كهربائي، أو اختلال التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، فضلا عن انخفاض التردد أو الجهد الكهربائي.

وفي مثل هذه الحالات، تلجأ أنظمة الحماية إلى فصل بعض الأحمال بصورة تلقائية أو مضبوطة، تفاديا لانتقال الخلل إلى أجزاء أخرى من الشبكة وحدوث انهيار أوسع قد يؤدي إلى انقطاع شامل.

واللافت أن الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالكهرباء تتضمن في قواعدها التقنية مقتضيات واضحة بشأن ما يعرف بتخفيض الأحمال أو نظام الفصل الوقائي، الذي يستهدف المحافظة على توازن الإنتاج والاستهلاك وحماية الشبكة عند انخفاض التردد أو الجهد إلى مستويات غير آمنة.

وهذا يعني أن تخفيض الأحمال ليس إجراء استثنائيا خارج منظومة التدبير الكهربائي، بل آلية تقنية معروفة لحماية الشبكات. غير أن السؤال الحقيقي يظل مرتبطا بما إذا كانت هذه الآلية قد فعلت خلال الانقطاعات الأخيرة، وما المعايير التي حددت المناطق المستهدفة بها.

مصر.. عندما تتحول الانقطاعات إلى برنامج لتدبير أزمة الطاقة

ولفهم خطورة الفرضية التي يجري تداولها، يكفي استحضار التجربة المصرية التي عرفت خلال سنتي 2023 و2024 انقطاعات كهربائية مبرمجة، في إطار ما عرف بنظام تخفيف الأحمال.

فقد اضطرت الحكومة المصرية إلى اعتماد قطع دوري للكهرباء في مناطق واسعة من البلاد، وصلت مدته في بعض الفترات إلى ساعتين أو ثلاث ساعات يوميا، نتيجة ارتفاع الاستهلاك، خصوصا خلال موجات الحر، إلى جانب صعوبات مرتبطة بتوفير الغاز الطبيعي والوقود اللازم لتشغيل محطات إنتاج الكهرباء.

وأوضحت السلطات المصرية حينها أن هذه الإجراءات تستهدف تخفيف الضغط على المنظومة الكهربائية، قبل أن تعلن في يوليوز 2024 تعليق برنامج تخفيف الأحمال خلال فصل الصيف، بعد تخصيص اعتمادات مالية لاستيراد الوقود اللازم لتأمين التزويد.

وتشير تحليلات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن تراجع الإنتاج المحلي من الغاز المصري وتحول البلاد إلى مستورد صاف للغاز الطبيعي المسال خلال 2024 كانا من العوامل الرئيسية وراء صعوبات تأمين الإمدادات الكهربائية.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يتجه المغرب نحو نموذج مشابه، ولو بصورة محدودة أو ظرفية؟ وهل يمكن أن تتحول الانقطاعات التي شهدتها بعض المناطق إلى وسيلة لتخفيف الضغط على الشبكة في حال تعذر تأمين الكميات المطلوبة من الكهرباء؟

ماذا حدث سنة 1991؟ ذاكرة تاريخية تعيد ملف الكهرباء إلى الواجهة

وليس القلق بشأن قدرة المنظومة الكهربائية المغربية على مواكبة الطلب المتزايد جديدا بالكامل. ففي سنة 1991، واجه المكتب الوطني للكهرباء آنذاك صعوبات في تلبية الطلب الوطني، وفق دراسة تاريخية حول تطور القطاع الكهربائي بالمغرب.

وتشير الدراسة إلى أن تأخر إنجاز وحدات إنتاجية مهمة، من بينها الوحدتان الأوليان بمحطة الجرف الأصفر الحرارية، اللتان تبلغ قدرة كل واحدة منهما 320 ميغاواط، ساهم في تعميق الفجوة بين العرض والطلب، بعدما أصبحت القدرة الإنتاجية المتاحة غير كافية لمواكبة الاحتياجات المتزايدة.

وكانت تلك المرحلة امتدادا لسنوات من الجفاف وتراجع مساهمة الطاقة الكهرومائية، إلى جانب إكراهات مالية وتأخر الاستثمارات الضرورية لتوسيع قدرات الإنتاج.

صمت رسمي وأسئلة تنتظر أجوبة

ورغم حساسية الموضوع وانعكاساته المباشرة على الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية، لا يزال المواطنون في حاجة إلى توضيح وطني شامل يحدد حقيقة ما جرى، ويفصل بين الانقطاعات الناتجة عن الصيانة والأعطاب المحلية، وتلك المرتبطة بالاضطرابات المسجلة على مستوى الشبكة الوطنية.

فالكهرباء لم تعد مجرد خدمة منزلية يمكن الاستغناء عنها لساعات، بل أصبحت عنصرا أساسيا في عمل المستشفيات والمصانع والمراكز التجارية ومحطات ضخ المياه والاتصالات وسلاسل الإنتاج الفلاحي والصناعي.

ومن هنا، تبرز أسئلة مشروعة تنتظر أجوبة الجهات المختصة خصوصا المرتبطة بإنتاج الكهرباء: هل شهدت المنظومة الوطنية نقصا ظرفيا في القدرة المتاحة؟ وهل جرى اللجوء فعلا إلى تخفيض الأحمال في مناطق صناعية وفلاحية لحماية الشبكة؟ وما حجم الطاقة التي تم استيرادها خلال الأيام الأخيرة؟ وهل يتعلق الأمر بعطب تقني محدد أم بتزامن عدة عوامل؟ وهل توجد خطة لتفادي تكرار هذه الانقطاعات؟

كما يظل من الضروري توضيح ما إذا كانت هناك لائحة أولويات معتمدة عند اللجوء إلى تخفيض الأحمال، ومدى ضمان عدم تأثر المرافق الصحية والخدمات الحيوية بهذه التدابير.

إن ما يحتاجه المغاربة اليوم ليس مجرد إعلانات متفرقة عن إصلاح الأعطاب أو اعتذارات عن توقف التزويد، وإنما توضيح تقني ومؤسساتي شفاف يضع الرأي العام أمام حقيقة الوضع، ويطمئن الفاعلين الاقتصاديين والمواطنين بشأن استقرار هذه الخدمة الحيوية.

المقال التالي