“برنت” يلامس 115 دولاراً والمغرب يستورد أزماته الطاقية.. من يحمي جيوب المغاربة من فاتورة الحرب؟

تراجعت أسعار النفط عند إغلاق التعاملات، متخلية عن مكاسب الجلسة السابقة، في سوق تحرّكها التطورات العسكرية والرسائل الدبلوماسية بقدر ما تحرّكها قوى العرض والطلب. وخفّفت الآمال بعودة محادثات السلام المخاوف من اضطراب الإمدادات، بعدما سعى نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلى إحياء المفاوضات برسالة وجّهها إلى رئيس مجلس الأمن الإيراني محسن رضائي.
انخفاض محدود لا يعني انفراجاً
اليوم الجمعة، تتجه الأنظار إلى انعكاسات التقلبات النفطية على الدول المستوردة للطاقة، وفي مقدمتها المغرب. وكانت الأسواق قد أنهت جلسة الأربعاء على ارتفاع تجاوز 1%، معوّضةً جزءاً من خسائر اليومين السابقين. وفي ختام جلسة الخميس، تراجع خام «برنت»، تسليم ديسمبر، بنسبة 0,38% إلى 114,88 دولاراً للبرميل، فيما انخفض خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 0,76% إلى 102 دولار. لكن هذا التراجع المحدود لا يجيب عن السؤال الذي يشغل المستهلك المغربي: هل ستنعكس تحركات السوق الدولية على أسعار المحروقات محلياً، أم سيظل المواطن في مواجهة فاتورة مرتفعة؟
رأس تنورة تحت النار… وصدى الأزمة يصل إلى الدار البيضاء
ارتفع الخامان في الجلسة السابقة بنسبة 1,26% لخام «برنت» و2,88% لغرب تكساس، عقب هجوم استهدف مصفاة في السعودية. وأعلن الحوثيون استهداف مصفاة سعودية بصاروخ، قبل أن يهاجموا مطار عدن، وفقاً للقوات الحكومية اليمنية، من دون أن تؤكد الرياض تعرض رأس تنورة، التي تبلغ طاقتها الإنتاجية 550 ألف برميل يومياً، للضربة. وإذا كانت أخبار الهجمات والمخاطر الجيوسياسية كافية لتحريك الأسعار، فإن السؤال المطروح في المغرب يتجاوز تقلبات السوق إلى مدى قدرة السياسات الطاقية على حماية الاقتصاد والأسر من الصدمات الخارجية.
هدنة مؤجلة وحرب مفتوحة على أسعار المحروقات
قال الخبير في نومورا، يوكي تاكاشيما، إن ضغوط البيع تسود الأسواق وسط توقعات باستئناف محادثات السلام، لكن الانخفاض لا يزال محدوداً. ويأتي ذلك في ظل استمرار الأعمال العدائية، بعدما أعلن التحالف الذي تقوده السعودية تدمير صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون باتجاه المنطقة الشرقية صباح الخميس. وتتوقف توقعات الأسعار بدورها على مسار المواجهة بين واشنطن وطهران، وعلى احتمالات التصعيد العسكري. وهكذا، تظل أسعار الطاقة في المغرب رهينة تطورات سياسية وعسكرية تجري خارج حدوده، بينما يتحمل المواطن تداعياتها المحتملة على كلفة التنقل والمعيشة، من دون أن يكون له أي تأثير في مسار تلك المواجهة.
دبلوماسية الأوراق المرفوضة… والمستهلك المغربي ينتظر
قدّم وسطاء قطريون إلى إيران مسودة اتفاق لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن مسؤولاً إيرانياً رفيعاً رفضها، واصفاً إياها بأنها أفكار غير مقبولة لا ترقى إلى مستوى العرض. وفي المقابل، قال وزير الخارجية الإيراني، الأربعاء، إن بلاده تمنح الدبلوماسية فرصة، وإن خطتها ذات الأيام السبعة قد تكتمل في أقل من أسبوع إذا اعتُمدت. وبين الرفض والإمهال، تبقى الأسواق في حالة ترقب، فيما يظل المستهلك المغربي معرضاً لتداعيات أي ارتفاع جديد في أسعار النفط. وهنا تتجدد المفارقة: قرارات الحرب والسلام تُصنع خارج المغرب، لكن جزءاً من كلفتها قد يصل إلى جيوب المغاربة عبر أسعار المحروقات والنقل والسلع.
النفط الروسي والمخزون الأميركي… أرقام بعيدة وأثرها قريب
ضغطت التوقعات بزيادة إنتاج روسيا من الخام والديزل على الأسعار. وأشار محللو جيه بي مورغان إلى عدم تسجيل هجمات مؤكدة جديدة على البنية التحتية للتكرير الروسية منذ الهجوم الذي استهدف مصفاة ريازان في الخامس عشر من الشهر الجاري. وتعافت المصافي بمقدار 350 ألف برميل يومياً، ليصل إنتاجها إلى أربعة ملايين برميل. وقد يسمح ذلك بزيادة مماثلة في إنتاج الخام، بعد هبوطه إلى 8,4 ملايين برميل يومياً، وهو أدنى مستوى منذ عام 2003، من دون أن يعني ذلك بالضرورة ارتفاع الصادرات. وفي الولايات المتحدة، تراجعت المخزونات بمقدار 1,9 مليون برميل خلال الأسبوع المنتهي في الثالث والعشرين من الشهر الجاري، لتصل إلى 410,6 ملايين برميل، وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية. وتوضح هذه المؤشرات أن توازن السوق لا يتحدد بعامل واحد، بل بمجموعة من المتغيرات التي تجعل التنبؤ بأسعار النفط أمراً بالغ التعقيد.
الأمن الطاقي المغربي… لماذا يدفع المواطن ثمن التأخر؟
تكشف هذه التطورات أن الدول التي تمتلك مخزونات استراتيجية ومصافي تكرير وبدائل متنوعة للطاقة تكون أقدر على امتصاص الصدمات، بينما تواجه الدول الأكثر اعتماداً على الاستيراد مخاطر أكبر عند كل اضطراب. وهنا يعود السؤال الذي لا يجوز تأجيله: ماذا فعل المغرب منذ توقف مصفاة المحمدية عن التكرير لتعزيز قدرته على مواجهة الأزمات؟ وأين وصل الانتقال إلى الطاقات المتجددة، الذي يحضر في الخطابات أكثر مما يلمسه المواطن في فاتورة استهلاكه؟ فكلما تجاوز خام «برنت» عتبة 114 دولاراً للبرميل، عاد النقاش حول كلفة الارتهان للأسواق الدولية وحدود الخيارات المتاحة لحماية القدرة الشرائية. فالأمن الطاقي ليس شعاراً يُرفع، بل مخزونات وقدرات تكرير وبدائل عملية وسياسات تقلل التبعية للخارج. أما السؤال الأهم، فيبقى: هل يتحول كل اضطراب في سوق النفط إلى عبء جديد على المغاربة، أم تنجح السياسات العمومية في بناء حماية حقيقية من تقلبات الطاقة؟

تعليقات