آخر الأخبار

الحكومة تتجرأ على جيوب المغاربة وتستأذن شركات المحروقات.. أين اختفت صرامة الدولة؟

في كل سنة مالية، تعود الوصفة نفسها: زيادة في موارد الدولة، وتمويل للبرامج الحكومية، وشعارات عن العدالة الضريبية وحماية القدرة الشرائية. ومشروع قانون المالية لسنة 2027 لا يخرج عن هذا المألوف، إذ يتضمن رفع الضريبة على أرباح شركات المحروقات، وهو إجراء يُقدَّم باعتباره خطوة نحو توسيع مساهمة الشركات الكبرى في تمويل المالية العمومية. غير أن التمعن في تفاصيله يطرح سؤالاً محرجاً: هل تملك الحكومة فعلاً الجرأة لمواجهة كبار الفاعلين في القطاع، أم اكتفت بزيادة ضريبية محدودة، وتركت مصير الأسعار للمزاج التجاري للشركات؟

مليارات تدخل حسابات الشركات.. والحكومة لا تجرؤ إلا على خمس نقاط إضافية

خمس نقاط لا غير، هذا ما تجرأت عليه الحكومة في مواجهة شركات تُقدَّر أرباحها بالمليارات. فمعدل الضريبة على الشركات الكبرى في قطاع المحروقات ينتقل من 35 إلى 40 في المائة، بالنسبة إلى الشركات التي يتجاوز ربحها الصافي 100 مليون درهم. ويعني ذلك زيادة بخمس نقاط مئوية في الضريبة المفروضة على أرباح هذه الشركات، دون أن تكون في حد ذاتها زيادة في الضريبة على استهلاك المحروقات. لكن حين يتعلق الأمر بشركات تحقق أرباحاً بمليارات الدراهم، تصبح هذه الزيادة موضع تساؤل: هل تكفي خمس نقاط إضافية لإقناع المغاربة بأن الحكومة اختارت مواجهة المصالح الكبرى، أم أنها مجرد إجراء ضريبي محسوب بعناية حتى لا يزعج كبار الفاعلين؟

حين تعجز الحكومة عن فرض الضمانات.. تترك جيوب المغاربة رهينة قرارات الشركات

الضريبة على الأرباح ليست زيادة في سعر الوقود، لكن الخطر يبدأ بعدها. فرفع الضريبة على الأرباح لا يعني بالضرورة ارتفاع أسعار المحروقات، ولا ينبغي أن يصبح ذريعة لتحميل المواطنين تكاليف إضافية أو استرجاعها عبر توسيع هوامش الربح. وهنا تحديداً تظهر ثغرة المقاربة الحكومية، فالتحذير من تحميل المستهلك كلفة الضريبة لا يعادل وجود آليات قانونية ورقابية تمنع ذلك. وإذا كان المطلوب من الشركات ألا تتخذ الزيادة الضريبية ذريعة لرفع الأسعار، فأين الضمانات التي تحمي المستهلك؟ ولماذا يبدو المواطن مطالباً بالاطمئنان إلى حسن نية الشركات، بدل الاطمئنان إلى صرامة الدولة وقدرتها على فرض قواعد واضحة؟ إنها مفارقة تضع الحكومة أمام سؤال محرج بشأن حدود سلطتها في سوق تتحكم فيها شركات ذات وزن اقتصادي كبير.

61 مليار درهم إضافية في الميزانية.. لكن عدالة توزيع الفاتورة غائبة

61 مليار درهم تنتظر خزينة الدولة في 2027، لكن السؤال الذي لا تجيب عنه الأرقام هو: من سيدفع الفاتورة؟ فمن المرتقب أن ترتفع الموارد العادية من حوالي 421 مليار درهم سنة 2026 إلى أكثر من 482 مليار درهم سنة 2027، بنسبة 14.5 في المائة. كما يُتوقع أن ترتفع الضرائب المباشرة من حوالي 166 مليار درهم إلى أكثر من 203 مليارات درهم، بزيادة تناهز 38 مليار درهم. وهذه الأرقام، على أهميتها، لا تحسم سؤال توزيع الأعباء: ما الحصة التي ستتحملها الشركات الكبرى، وما الحصة التي ستقع على عاتق الأجراء والمستهلكين؟ فزيادة المداخيل لا تعني تلقائياً تحقيق العدالة الضريبية.

ضرائب تتوسع على نطاق واسع.. ومساهمة كبار المحروقات تظل تحت سقف محسوب

الضرائب تتوسع في أكثر من اتجاه، أما شركات المحروقات فتبقى مساهمتها تحت سقف محسوب. إذ يُتوقع أن ترتفع الضرائب غير المباشرة من حوالي 168 مليار درهم إلى 185.5 مليار درهم، إلى جانب زيادة مرتقبة في الرسوم الجمركية ورسوم التسجيل والتنبر. وتندرج هذه التطورات ضمن توجه يروم توسيع الوعاء الضريبي وتحسين موارد الدولة. لكن المقارنة تثير تساؤلات لا يمكن تجاهلها: ففي الوقت الذي تتسع فيه الموارد المنتظرة من الضرائب غير المباشرة، تظل الزيادة المقررة على أرباح شركات المحروقات محصورة في خمس نقاط مئوية. وهنا تبدو المفارقة واضحة؛ فالحكومة تتحدث عن توسيع المساهمات وتحسين المداخيل، لكنها مطالبة بتوضيح كيف ستضمن ألا يتحول المستهلك إلى الحلقة الأضعف في معادلة تمويل الميزانية.

الحكومة تقلص الاقتراض.. لكنها لا تحسم معركة من يتحمل كلفة الإصلاح

خبر سار على الورق، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: من يدفع ثمن الإصلاح؟ فمن المتوقع أن ينخفض الاقتراض المتوسط والطويل الأجل من 123 مليار درهم سنة 2026 إلى 120 مليار درهم سنة 2027، وأن يتراجع الاقتراض الداخلي من 63 إلى 60 مليار درهم، فيما يستقر الاقتراض الخارجي في حدود 60 مليار درهم. ويعكس ذلك توجهاً نحو تعزيز الموارد العادية وتقليص الاعتماد على الاقتراض، وهو معطى إيجابي من زاوية تدبير المالية العمومية، لكنه لا يكفي وحده لإثبات توازن توزيع الأعباء. فتراجع الاقتراض لا يجيب عن سؤال مساهمة أصحاب الأرباح الكبرى، ولا يثبت أن الحكومة استطاعت فرض شروط أكثر إنصافاً على الفاعلين الاقتصاديين الأقوياء. كما أن تقييم الوضع المالي يظل مرتبطاً بالعجز والمديونية وكلفة خدمة الدين.

وعود حماية القدرة الشرائية تصطدم بواقع المحطات.. فمن يملك الكلمة الأخيرة؟

على الورق، القدرة الشرائية في أمان، أما عند المحطة فالكلمة لمن يحدد الأسعار. فارتفاع الموارد بنحو 61 مليار درهم لا يعني تخصيصها بالكامل للإجراءات الاجتماعية، ولا يضمن تمويل جميع التدابير المعلنة دون تحديات. ويظل المعيار الأساسي هو ما سيلمسه المواطن فعلياً في قطاعات الصحة والتعليم والتشغيل والحماية الاجتماعية. لكن المغاربة الذين يواجهون تقلبات أسعار المحروقات لن تكفيهم الجداول المالية وحدها للاقتناع بجدوى هذه السياسة. فالاختبار الحقيقي يكمن في قدرة الحكومة على منع تحميل المستهلك أعباء إضافية، ومراقبة هوامش الربح، وضمان ألا تتحول الزيادة الضريبية إلى مبرر جديد لرفع الأسعار. أما الاكتفاء بمناشدة الشركات عدم المساس بالقدرة الشرائية، فيترك سؤالاً أكبر معلقاً: إذا كانت الحكومة لا تملك ضمانات لحماية المواطن أمام كبار الفاعلين، فما جدوى الحديث عن صرامة الدولة وعدالة الإصلاح الضريبي؟

المقال التالي