الحكومة تعد بإنهاء التسرب المدرسي في 2031.. فأين خريطة الطريق بعد نتائج “ثانويات الريادة”؟

ترفع الحكومة شعار «صفر تسرب مدرسي بحلول سنة 2031»، وكأن الأمر قرار سياسي يُتخذ بجرّة قلم، لا ورش إصلاح معقد يتطلب تعبئة واسعة. غير أن الأرقام المرتبطة بالتجارب الميدانية تطرح تساؤلات بشأن مدى واقعية هذا الهدف، وتكشف فجوة بين سقف الوعود والنتائج المحققة.
نجحت تجربة «ثانويات الريادة» في خفض التسرب المدرسي بنحو 30% مقارنة بالمؤسسات المماثلة، وفق تقييم متخصص. وأكد مصدر مطلع، اليوم الخميس، أن النتيجة تجاوزت الثلث خلال السنة الأولى، واستمر أثرها خلال السنة الثانية. ومع ذلك، يرى المصدر نفسه أن أقصى ما يمكن تحقيقه، في نطاق تدخل وزارة التربية الوطنية وحدها، هو خفض التسرب إلى النصف.
وإذا كان العاملون على هذه التجربة يقترحون الالتزام بخفض نسبة المنقطعين وتوفير بدائل لمن يغادرون المدرسة، فإن رفع سقف الطموح إلى القضاء على التسرب نهائياً يطرح سؤال الوسائل والإمكانات. ويقر المصدر بأن الهدف بعيد عن سهولة التحقيق، مشيراً إلى أن معالجة الحالات المتبقية تتطلب توفير شبكات أمان، من مدرسة الفرصة الثانية إلى التكوين المهني، وهما بدورهما محدودا الطاقة الاستيعابية، ولا يتلاءمان دائماً مع حاجات سوق الشغل.
وتكمن إحدى أبرز الإشكالات في غياب تفاصيل كافية بشأن الوسائل التي ستعتمدها الحكومة لتحقيق هذا الهدف. فقد استند نجاح «ثانويات الريادة» إلى مقاربة متكاملة تشمل تحديد التلاميذ المعرضين لخطر الانقطاع، وفهم الصعوبات التي يواجهونها، وتقديم دعم فردي لهم، فضلاً عن اعتماد أدوات رقمية لرصد الغياب يومياً وإصدار مؤشرات تنذر بالمخاطر في الوقت المناسب. ويقتضي تعميم هذه التجربة وطنياً توفير الموارد البشرية والتكوين والمواكبة، وهي عناصر لم تُعرض بشأنها تفاصيل واضحة.
وتبرز الأنشطة الموازية والدعم الاجتماعي والعاطفي ضمن العناصر الحاسمة في نجاح التجربة. فقد خُصصت ساعتان أسبوعياً للرياضة والموسيقى والمسرح والسينما والفنون التشكيلية، إلى جانب ورشات تتيح للتلاميذ التعبير عن إحباطاتهم ودوافعهم. ويطرح ذلك تساؤلات بشأن إمكانية تعميم النتائج المحققة إذا لم تحظَ هذه الجوانب بالمكانة اللازمة ضمن خطة الإصلاح.
وتتعدد أسباب مغادرة التلاميذ للمدرسة؛ فمنهم من تتراكم تعثراته في القراءة والرياضيات إلى أن يفقد ثقته بنفسه، ومنهم من تتأثر مواظبته بظروف أسرية صعبة، فيما يضطر آخرون إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مؤسساتهم أو الانقطاع بسبب العمل الزراعي. وتحتاج هذه الحالات إلى دعم فردي، وإنصات، ومتابعة تربوية منتظمة، وتنسيق فعلي مع الأسر، بدل الاكتفاء بإعلان الأهداف.
كما أن إلحاق التكوين المهني بوزارة التربية الوطنية، حتى إن اعتُبر خطوة إيجابية، لا يكفي وحده لمعالجة الاختلالات. فشروط الولوج قد تحول دون التحاق التلاميذ الذين غادروا السلك الإعدادي قبل إتمامه بالتكوين الذي يختارونه. ويتطلب تجاوز هذه العقبات إرساء حكامة مشتركة، وتعزيز التوجيه، وإشراك الجماعات الترابية والسلطات المحلية والشركاء الاقتصاديين في معالجة مشكلات النقل وتعبئة الأسر.
وبين هدف القضاء على التسرب المدرسي بحلول 2031 والنتائج التي أفرزتها التجارب القائمة، تظل الحاجة قائمة إلى خطة واضحة تحدد الموارد والآليات والبدائل، وتربط الوعود بمؤشرات قابلة للقياس. فالتحدي لا يكمن في إعلان «صفر تسرب مدرسي»، بل في توفير الشروط التي تجعل هذا الهدف قابلاً للتحقق.

تعليقات