آخر الأخبار

من وساطة الصخيرات إلى معسكر حفتر.. هل يتخلى المغرب عن دور الوسيط في ليبيا لصالح حسابات النفوذ ومواجهة الجزائر؟

لم يعد الحضور المغربي في الملف الليبي يُقرأ فقط من زاوية الوساطة الدبلوماسية التي طبعت مرحلة اتفاق الصخيرات، بل بات يثير تساؤلات بشأن التحولات التي تعرفها أولويات الرباط في منطقة تتقاطع فيها المصالح الأمنية مع الحسابات الجيوسياسية. فالتقارب مع السلطات القائمة في شرق ليبيا يفتح الباب أمام أسئلة حول ما إذا كان المغرب يسعى إلى تنويع شراكاته الإقليمية، أم يعيد تموقعه داخل خريطة النفوذ الليبي في سياق التنافس المتصاعد مع الجزائر.

من إرث الصخيرات إلى رهانات بنغازي.. هل تغيرت أولويات الرباط؟

تزداد حساسية هذا التحول بالنظر إلى الدور الذي اضطلع به المغرب في احتضان الحوار الليبي بمدينة الصخيرات، والذي أفضى سنة 2015 إلى اتفاق سياسي شكل محطة بارزة في مسار التسوية. فقد ارتبطت تلك المرحلة بصورة الرباط باعتبارها فضاءً للحوار بين الأطراف المتنازعة، غير أن تعزيز العلاقات مع معسكر خليفة حفتر في شرق ليبيا يطرح سؤالاً جوهرياً: هل ما زالت الوساطة المتوازنة محدداً أساسياً للموقف المغربي، أم أن اعتبارات النفوذ بدأت تفرض حسابات مختلفة؟

التقارب مع حفتر يضع وساطة المغرب أمام اختبار المصالح العسكرية

يعزز استقبال الفريق أول خالد حفتر في الرباط، وإجراء مباحثات مع مسؤولين عسكريين مغاربة بشأن التعاون الدفاعي والأمني، الانطباع بوجود مرحلة جديدة في العلاقات مع شرق ليبيا. فالانفتاح على القوى التي تملك نفوذاً ميدانياً قد يمنح المغرب هامشاً أوسع للتحرك في الملفات الأمنية، لكنه يطرح في المقابل تساؤلات بشأن قدرة الرباط على الحفاظ على مسافة متوازنة من الأطراف الليبية المتنافسة. ويظل التحدي الأساسي هو الجمع بين المصالح الأمنية والحفاظ على موقع دبلوماسي يسمح بالتواصل مع مختلف الفرقاء.

ولا تتوقف دلالات هذا التقارب عند التعاون العسكري، بل تمتد إلى الرهانات الدبلوماسية والاستخباراتية والاقتصادية، في ظل استمرار الانقسام الليبي. فتعزيز العلاقات مع بنغازي قد يخدم المصالح الأمنية للمملكة، غير أن الإفراط في ربط الحضور المغربي بطرف واحد قد يحد من قدرتها على التواصل مع بقية القوى الليبية، ويثير تساؤلات حول موقعها كوسيط قادر على تقريب وجهات النظر. وبين متطلبات الشراكة الأمنية والحفاظ على التوازن السياسي، تواجه الرباط اختباراً حقيقياً لمدى قدرتها على التوفيق بين النفوذ والوساطة.

ليبيا تتحول إلى امتداد للتنافس المغربي الجزائري

تكتسب التحركات المغربية أبعاداً أكثر حساسية بسبب التوتر المستمر مع الجزائر، بعدما أصبحت الملفات الإقليمية مجالاً إضافياً للتنافس بين البلدين. ويثير التقارب مع معسكر حفتر تساؤلات بشأن مدى تأثير هذه الخصومة في حسابات الرباط الليبية، خصوصاً في ظل تباين العلاقات الإقليمية مع القوى المتنافسة داخل ليبيا. لكن اختزال التحرك المغربي في مواجهة الجزائر وحدها سيكون تبسيطاً لملف تتداخل فيه اعتبارات الأمن والنفوذ والمصالح الاستراتيجية.

وتزداد تعقيدات هذه المعادلة مع حضور الإمارات العربية المتحدة في المشهد الليبي، بالنظر إلى علاقاتها مع معسكر حفتر وشراكتها مع المغرب. فالتقارب بين الرباط وبنغازي يمكن أن يندرج ضمن شبكة أوسع من العلاقات الإقليمية، إلا أن اعتباره دليلاً قاطعاً على وجود جبهة موحدة ضد الجزائر يحتاج إلى أدلة مستقلة. وبين المصالح الأمنية والتنافس السياسي، يظل السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت الرباط تتحرك وفق استراتيجية مغربية مستقلة، أم أن تشابك التحالفات الإقليمية يفرض عليها حسابات إضافية.

من يربح معركة النفوذ إذا تراجعت فرص التسوية الليبية؟

لا تكمن الإشكالية في حق المغرب في تطوير علاقاته مع شرق ليبيا، بل في كيفية التوفيق بين هذه العلاقات وإرثه الدبلوماسي في رعاية الحوار الليبي. فنجاح الرباط لن يُقاس فقط بمستوى التعاون العسكري أو بقدرتها على توسيع حضورها في بنغازي، وإنما أيضاً بمدى مساهمتها في دعم تسوية سياسية تشمل مختلف الأطراف الليبية. وإذا تحولت ليبيا إلى ساحة إضافية لتصفية الحسابات الإقليمية، فإن فرص التقارب الداخلي قد تواجه مزيداً من التعقيدات. وهنا تتحدد المعضلة الأساسية: هل تستطيع الرباط الجمع بين النفوذ والوساطة، أم أن اشتداد التنافس مع الجزائر سيدفعها إلى خيارات تضيق معها مساحة التحرك الدبلوماسي؟

الكلمات الافتتاحية: ليبيا، المغرب، الجزائر، حفتر، النفوذ.

المقال التالي