آخر الأخبار

19,4 مليار درهم للمقاصة.. الحكومة ترصد المليارات وتترك أسئلة المستفيدين والجدوى معلقة

خلف غلاف مالي يصل إلى 19,4 مليار درهم، يفتح مشروع قانون المالية لسنة 2027 ملف دعم غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني للقمح اللين، وفقًا لتقرير المقاصة المرافق له. ويأتي هذا الاعتماد في ظرفية يصفها التقرير بارتفاع الضغوط على أسواق الطاقة وتكاليف الإمداد، لكن ضخامة المبلغ لا تبدد الأسئلة المحرجة حول جدوى هذا الإنفاق العمومي: ماذا تحقق هذه المليارات فعليًا، ومن المستفيد الأول منها؟

دعم مرتبط بالمادة لا بالمحتاج: أهي حماية للفقراء أم مجاملة للجميع؟

المفارقة أن استمرار دعم المواد المشمولة عند الاستهلاك لا يصاحبه، وفقًا للمعطيات الواردة في التقرير الذي جرى تداوله يوم الاثنين، تحديد للفئات المستفيدة أو لحصة كل فئة من هذا الدعم. وبينما يتكرر الحديث عن استهداف الدعم الاجتماعي وتوجيهه إلى مستحقيه، يظل السؤال قائمًا: هل تحمي المقاصة الفئات التي تحتاج إلى الدعم فعلًا، أم تواصل تثبيت الأسعار للجميع دون تمييز بين محدودي الدخل والميسورين؟

اعتماد على الورق لا فاتورة مؤداة: وعد بالإنفاق يُقرأ كأنه إنجاز

ما تعلنه الميزانية ليس بالضرورة ما تنفقه الدولة فعليًا؛ فمبلغ 19,4 مليار درهم لا يزال اعتمادًا ماليًا مبرمجًا ضمن مشروع قانون المالية، وليس حصيلة نفقات منفذة. وهذا الفارق ليس مجرد تفصيل تقني يمكن تجاوزه، بل هو أساس أي تقييم جدي للسياسة العمومية: كيف يمكن الاحتفاء بمبلغ لم تُحسم بعد كلفته النهائية، أو اتخاذه دليلًا على نجاعة الدعم قبل معرفة ما صُرف فعلًا وما تحقق من ورائه؟

ثمانية أشهر هنا وتسعة هناك: حساب بمسطرتين لا يسهّل المقارنة

ولا تقف علامات الاستفهام عند حجم الاعتمادات، بل تمتد إلى طريقة عرض الأرقام نفسها؛ إذ تتعلق تقديرات دعم المواد بالأشهر الثمانية الأولى من السنة الجارية، في حين يغطي الدعم الاستثنائي للنقل الطرقي الأشهر التسعة الأولى. ويقر التقرير باختلاف الفترة المرجعية لهذه التقديرات، ما يحد من إمكان المقارنة المباشرة بين البنود. فكيف يمكن تكوين صورة دقيقة عن كلفة المقاصة ونجاعتها حين لا تستند الأرقام المعروضة إلى فترة زمنية موحدة؟

أرقام ناقصة لسنة غير مكتملة: البوتان يستحوذ على الحصة الكبرى

وتكشف الأرقام المتاحة عن تفاوت واضح في توزيع كلفة الدعم؛ إذ يُرتقب أن تبلغ نفقات دعم غاز البوتان نحو 9 مليارات درهم، مقابل نحو 2,7 مليار درهم لدعم السكر المكرر و0,8 مليار درهم للدقيق الوطني للقمح اللين. غير أن هذه المعطيات تغطي الأشهر الثمانية الأولى فقط، ولا تقدم حصيلة السنة كاملة. وبذلك، فإن الأرقام المتداولة ترسم صورة جزئية عن حجم الإنفاق، ولا تسمح وحدها بإصدار حكم نهائي بشأن كلفة المقاصة أو مردوديتها الاجتماعية.

دعم يُصرف في مادة ويُسترجع في أخرى: مقاصة لا تسير في اتجاه واحد

وعلى خلاف ما قد توحي به ضخامة الاعتمادات، لا تتحرك جميع آليات المقاصة في اتجاه صرف إعانات إضافية؛ فقد أتاح انخفاض أسعار السكر الخام تسجيل مبالغ يُرتقب استرجاعها لفائدة الدولة، بينما لم تستدعِ وضعية القمح اللين تفعيل الدعم عند الاستيراد خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة الجارية. ويكشف هذا التباين عن ارتباط جزء من كلفة المقاصة بتقلبات الأسواق، إلى جانب القرارات الحكومية، خصوصًا أن التدخل عند الاستيراد يرتبط بمستوى التكلفة مقارنة بالسعر المرجعي المعتمد. لكن السؤال يظل مطروحًا حول مدى انعكاس هذه التحولات على المستهلك، لا على الحسابات المالية وحدها.

فواتير خارج الغلاف المعلن: الجنوب والنقل لا يدخلان في الحساب

وتزداد الصورة تعقيدًا عندما تُضاف إلى المشهد نفقات أخرى لا تدخل ضمن الغلاف المخصص لدعم البوتان والسكر والدقيق؛ فقد بلغت كلفة مواصلة دعم بعض المواد الغذائية لفائدة ساكنة الأقاليم الجنوبية نحو 64 مليون درهم خلال الفترة نفسها، فيما بلغ مجموع المبالغ المعبأة للدعم الاستثنائي الموجه إلى مهنيي النقل الطرقي، الذي أُعيد تفعيله لمواجهة ارتفاع أسعار الغازوال، 2,488 مليار درهم. ويستدعي اختلاف هذه البنود عن الاعتمادات المخصصة للمواد الأساسية التمييز الدقيق بين مختلف أوجه الدعم، وبين المبالغ المبرمجة والنفقات المنفذة، حتى لا تتحول الأرقام المتفرقة إلى حصيلة مضللة. وتستند هذه المعطيات إلى الصفحتين 65 و66 من تقرير المقاصة.

المقال التالي