القصة الكاملة لمأساة محمد بن عمر.. “ما تقدرو عليهم” و”أنا ماشي راجل” وأسرار التحقيق الغائب في الانتحار بعد رحلة الصيد بأعالي البحار

بعد مرور أزيد من أربعة أشهر على إقدام الشاب محمد بن عمر على وضع حد لحياته، عقب عودته من مأساة غامضة عاشها في أعالي البحار، لم تظهر، إلى حدود كتابة هذه السطور، نتائج البحث القضائي والأمني المتعلق بهذه الواقعة.
وأمام استمرار الغموض الذي يلف هذه القضية، يعود موقع مغرب تايمز إلى طرح أسئلة ملحة بشأن مآلات التحقيق المفتوح في هذه النازلة، والأسباب التي ما تزال تحول دون الكشف عن حقيقة ما جرى للشاب محمد، الذي انتهت قصته المأساوية بوفاة خلفت وراءها أسئلة ثقيلة وانتظارات معلقة.
بدأت قصة محمد بن عمر بعد تخرجه من معهد الصيد البحري، وهو في ربيعه الحادي والعشرين. وكأي شاب في مقتبل العمر، شرع في البحث عن فرصة عمل في الشركات المرتبطة بمجال تكوينه، أي الصيد البحري. وبالفعل، استطاع إقناع إحدى الشركات بمدينة أكادير بتشغيله، ليلتحق بها ويخوض أول رحلة له في أعالي البحار على متن باخرة صيد عملاقة. غير أنه، وبعد مرور أيام، انقطعت اتصالاته المتواصلة بأسرته، التي وجدت نفسها أمام غياب غامض لم تكن تعرف أسبابه أو مآلاته.
وبعد أيام، عاد محمد إلى أسرته ليحكي عن قصة بدت وكأنها مستوحاة من أفلام الرعب. إذ اتضح، من خلال بعض ما رواه لأفراد أسرته، إلى جانب مقاطع فيديو صورها بنفسه، أنه كان محتجزا داخل إحدى غرف الباخرة طوال مدة غيابه. وكانت أسرته قد كشفت لموقع مغرب تايمز، آنذاك، أنه تعرض للاحتجاز من طرف البحارة الذين كانوا برفقته على متن الباخرة، وأن يديه ورجليه كانتا مكبلتين بأصفاد بلاستيكية، فيما كشفت إحدى أفراد عائلته إمكانية تعرضه للتعنيف والاغتصاب.
وبعد معاناة شديدة، تمكن محمد من العودة إلى أسرته، بعدما رست الباخرة بميناء مدينة العيون، حيث قضى يومين من دون أكل أو شرب. واستطاع، بعد ذلك، تدبير ثمن تذكرة الحافلة التي أقلته نحو مدينته طنجة، عائدا إلى حضن أسرته. لكنه عاد مثقلا بصمت غريب، وكأنه كان يعيش تحت وطأة صدمة نفسية حادة، حتى بدا انتزاع بعض الكلمات منه بشأن ما تعرض له في أعالي البحار مهمة شاقة على أفراد أسرته، الذين حاولوا مرارا دفعه إلى الحديث عما جرى.
ورغم محاولات أسرته المتكررة لمساعدته على البوح بما عاشه، ظل محمد يردد جملة واحدة: “لن تقدروا عليهم”، وأخرى أكثر إيلاما: “أنا ماشي راجل”. كلمات اختزلت حجم المعاناة النفسية التي كان يعيشها، قبل أن يقدم، بعد أيام قليلة، على وضع حد لحياته شنقا فوق سطح منزله، في نهاية مأساوية حولت معاناته إلى قضية تستدعي كشف الحقيقة وترتيب المسؤوليات.
وعلى إثر ذلك، توجهت أسرة محمد إلى محكمة الاستئناف بطنجة، حيث وضعت شكاية في الموضوع، مطالبة بفتح تحقيق في ما وقع لابنها، واضعة بين يدي القضاء شكوكها بشأن احتمال تعرضه للاغتصاب. وبعد ذلك، أحيل الملف على محكمة الاستئناف بأكادير من أجل فتح تحقيق في الواقعة، أملا في كشف ملابسات ما جرى وتحديد المسؤوليات المحتملة.
غير أنه، وعلى الرغم من مرور أزيد من أربعة أشهر على هذه الواقعة الأليمة، لم يكشف، إلى حدود اليوم، عن نتائج التحقيق، ولا عن هوية المتورطين المحتملين، ولا عما إذا كان محمد قد تعرض بالفعل للتعنيف والاغتصاب، وفق ما صرحت به أسرته. ويزداد هذا الصمت إثارة للاستفهام في ظل وجود مقاطع فيديو توثق لتكبيله واحتجازه داخل غرفة، بل إن أحد هذه المقاطع يظهر شخصا وهو يقوم بتصفيد يديه ويوجه إليه كلاما غير لائق، وفق المعطيات التي كشفتها الأسرة.
والأكثر إثارة للقلق أن أسرة محمد كشفت أنها لم تتوصل، حتى الآن، بنتائج التشريح الطبي الذي خضع له بعد وفاته، وهو ما يطرح تساؤلات إضافية بشأن مسار القضية، وحق الأسرة في الاطلاع على المعطيات المرتبطة بوفاة ابنها، في انتظار ما ستسفر عنه الإجراءات القضائية.
وأمام هذه المعطيات، يظل السؤال المطروح بإلحاح: أين اختفى التحقيق في هذه القضية؟ وما الذي أسفرت عنه الأبحاث القضائية والأمنية بشأن ما جرى على متن باخرة الصيد؟ ومن هم المسؤولون المحتملون عن هذه الوقائع، إن ثبتت صحتها؟ وإلى متى ستظل أسرة محمد تنتظر لمعرفة حقيقة ما وقع لابنها، في وقت لا تطالب فيه سوى بكشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات القانونية اللازمة، بعيدا عن أي غموض أو تأخير غير مبرر؟
فمرور الأشهر دون الكشف عن نتائج التحقيق، في قضية تحيط بها معطيات خطيرة وشهادات أسرية ومقاطع فيديو توثق جوانب من الواقعة، يجعل مطلب التوضيح أكثر إلحاحا، ويضع مسار البحث أمام تساؤلات مشروعة بشأن ضرورة تسريع الإجراءات وكشف الحقيقة، إنصافا لأسرة فقدت ابنها في ظروف مأساوية، وضمانا لعدم بقاء هذه القضية معلقة بين روايات مؤلمة وأسئلة لم تجد طريقها إلى الإجابة.

تعليقات