الحكومة تُضيّق الخناق على المتعثرين في أداء اشتراكات «أمو».. هل تتحول التغطية الصحية إلى حق مشروط بالمال؟

أعلنت الحكومة طيّ مرحلة تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض والانتقال إلى مرحلة «الفعلية والاستدامة». ويحمل هذا الإعلان في طياته اعترافاً ضمنياً بأن التغطية القانونية لا تعني بالضرورة تغطية فعلية؛ فجميع المغاربة يستفيدون من التغطية نظرياً، لكن ليس الجميع مسجلين في أحد أنظمتها.
تعميم على الورق.. واختلالات تؤجل اختبار التغطية الفعلية
تحدد مذكرة تقديم مشروع قانون المالية، التي جرى تداول مضامينها اليوم، ثلاث أولويات للسنة المقبلة، هي تحويل تدبير نظام القطاع العام إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وتعزيز فعلية الحقوق، ودراسة نموذج التمويل. وهي أولويات تقرّ بأن العقبات ما تزال قائمة، بدءاً من عزوف فئات عن الانخراط، مروراً بهشاشة استدامة النظام، وصولاً إلى استكمال الجوانب التنظيمية.
32,5 مليون مسجل.. لكن أرقام التسجيل لا تكشف حقيقة الأداء
تجاوز عدد المسجلين 32,5 مليون شخص، أي نحو 89% من السكان، مقابل 42% قبل إطلاق الورش. وهو رقم مشرّف في ظاهره، لكنه يقيس التسجيل ولا يقيس الانتظام في أداء الاشتراكات. والفرق بين المسجل والمنخرط الفعلي هو بالضبط ما تحاول الحكومة تداركه، خاصة لدى غير الأجراء.
الرخص والإعانات تحت الضغط.. والمتعثرون أمام خطر الحرمان
تعتزم الحكومة جعل الاستفادة من الإعانات والمساعدات والتراخيص الإدارية مشروطة فعلياً بالتسجيل والأداء المنتظم للاشتراكات، في نظام العمال غير الأجراء ونظام «أمو الشامل»، الموجّه لغير النشيطين القادرين على الأداء. وبعبارة أخرى، قد يجد من يتعثر في الأداء نفسه محروماً من دعم أو رخصة، وهو إجراء قد يثقل كاهل مهنيين يعيشون أصلاً على دخل غير منتظم.
157 درهماً من التعويضات مقابل كل 100 درهم من الاشتراكات.. من يسدّ الفجوة؟
تفسّر الأرقام هذا التشدد؛ فقد بلغت التعويضات 157% من الاشتراكات المحصّلة في نظام غير الأجراء، مقابل 132% قبل سنة، أي 157 درهماً مقابل كل 100 درهم. وبلغ عدد المؤمّنين الرئيسيين 1,69 مليون، فيما وصلت التعويضات المؤداة إلى 2,28 مليار درهم، بزيادة قدرها 24%.
وفي المقابل، ارتفع عدد المسجلين في «أمو الشامل» إلى 484 ألفاً، مقابل 313 ألفاً، بنسبة تقارب 55%. وتستهدف الحكومة قطاعات الفلاحة والصناعة التقليدية والنقل، من خلال استراتيجيات قطاعية ودراسة سلوكية وتجريب آليات للتحفيز.
شروط جديدة وأسئلة معلّقة.. من يحدد المستفيدين ومن ينصف المتعثرين؟
تغيب عن المذكرة تفاصيل جوهرية؛ فهي لا تحدد المساعدات والتراخيص المعنية، ولا آليات المراقبة والتطبيق، ولا كيفية التعامل مع أصحاب المتأخرات، كما لا توضح ما إذا كانت هناك آليات للتسوية.
وفي المقابل، تُحال أسئلة كبرى على دراسات، من بينها دراسة استراتيجية حول نموذج التمويل وسلة العلاجات وكلفتها، ودراسة جارية بشأن مهلة إدماج عقود التأمين الجماعي. وفي الوقت نفسه، حُدّد موعد التحويل إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في الفاتح من الشهر الثاني من السنة المقبلة، بينما لم تصدر بعد عدة نصوص تنظيمية. وكان المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي قد حذّر من مخاطر تهدد توازن المنظومة.
فاتورة بالمليارات وأمراض تستنزف النفقات.. هل تنجح الحكومة في إنقاذ «أمو»؟
تتحمل الدولة جزءاً كبيراً من الكلفة، إذ دفعت 35,8 مليار درهم منذ إطلاق «أمو تضامن»، لفائدة أكثر من 11 مليون مستفيد، وتجاوزت تحويلاتها المتراكمة، مع احتساب حصة الخدمات بالمؤسسات العمومية، 37,86 مليار درهم.
كما تمثل الأمراض المزمنة والثقيلة أكثر من نصف نفقات كل نظام من الأنظمة الخمسة. وتبقى هذه الأرقام معياراً لقياس نجاعة الإجراءات المقبلة: هل تصلح الاشتراطات الجديدة مكامن الخلل، أم تزيد العبء على الفئات الأقل قدرة على الأداء؟

تعليقات