“منارة المغرب” تراهن على زيوت الطبخ المستعملة لإنتاج وقود الطائرات وسط تحديات التمويل والتوريد

يُقدَّم مشروع «منارة المغرب» بوصفه خطوة تُدخل المغرب إلى سوق الوقود المستدام الموجّه لقطاع الطيران، باستثمار يناهز 239 مليون دولار، أي حوالي 2.2 مليار درهم، بميناء الناظور غرب المتوسط. غير أن بريق العنوان لا يلغي سؤالاً بسيطاً وحارقاً: من سيجني ثمار هذا المشروع فعلاً؟
تتولى تطوير المشروع شركة «غرين سكاي كابيتال» (Green Sky Capital)، التي تعتزم إقامة وحدة صناعية بالمنطقة الصناعية واللوجستية بطويا، على مساحة تناهز 8.8 هكتارات. وتستهدف الوحدة إنتاج 200 ألف طن سنوياً من وقود الطيران المستدام، إضافة إلى الديزل المتجدد والنافثا الحيوية والبروبان الحيوي.
تمويل بنكهة أجنبية.. وأرباح بوجهة غير معلومة
يقوم الهيكل المالي للمشروع على قرض يبحث البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية منحه، يصل إلى 105 ملايين دولار، منها 85 مليون دولار، وشطر إضافي بقيمة 20 مليون دولار لم يُحسم الالتزام به بعد. ويُنتظر أن يساهم الصندوق الأخضر للمناخ في جزء من القرض، مع ضمانة أوروبية لتغطية جزء من المخاطر المالية. ويحق هنا التساؤل: حين تأتي الأموال والضمانات من الخارج، فماذا سيبقى للمغرب غير استضافة المصنع على أرضه؟
وتشير وثائق المؤسسة الأوروبية إلى وجود اتفاق طويل الأجل لشراء الإنتاج مع شركة خاصة. لكن ما نُشر لا يوضح هوية المشتري ولا وجهة المنتوج، فيظل السؤال مفتوحاً: هل سيستفيد الاقتصاد الوطني من هذا الوقود، أم أن الأرباح ستحلّق بعيداً عن الناظور؟
مصنع ضخم بلا مادة أولية مضمونة
يعتمد المشروع على جمع زيوت الطبخ المستعملة والدهون المتبقية من مصادر مختلفة داخل المغرب، عبر شبكة وطنية للتجميع. ويقر المشروع نفسه بإمكانية اللجوء إلى الاستيراد لتغطية أي نقص في المواد الأولية المحلية، وهو اعتراف مبكر بأن الإمدادات ليست مضمونة.
والمفارقة لافتة: مصنع يُسوَّق على أنه تثمين لنفايات المغاربة قد يشتغل جزئياً بزيوت مستوردة. فكيف يُضخ أكثر من ملياري درهم قبل الاطمئنان إلى قدرة منظومة الجمع على توفير الكميات المطلوبة بصورة منتظمة، وإلى مدى مساهمة الموردين المحليين في تلبية حاجيات الوحدة؟
وعود اجتماعية تسبق التراخيص
تتحدث خطة الشركة عن تكوين جامعي الزيوت المستعملة، وإشراك تعاونيات محلية تقودها نساء، وتأهيل التقنيين والمشغلين، وتوفير فرص تدريب للمهندسين الشباب بالجهة الشرقية. وهي وعود جذابة، لكنها تأتي في وقت لم يكتمل فيه التمويل، ولم تُمنح التراخيص اللازمة، ولا تزال دراسات الأثر البيئي والاجتماعي جارية.
مشروع على الورق لا مصنع على الأرض
وبذلك، فالحديث اليوم يتعلق بمشروع استثماري قيد الدراسة، وليس بوحدة صناعية دخلت مرحلة الإنتاج. وبين ما يُعلن من أرقام وما يُنتظر من تمويل وتراخيص ودراسات، تتسع المسافة بين الطموح والواقع.
ويبقى نجاح «منارة المغرب» رهيناً بتجاوز الإكراهات التمويلية والبيئية واللوجستية التي تحيط به، وبقدرته على إقناع الرأي العام بأنه رافعة صناعية حقيقية للمغرب، وليس مجرد عنوان أخضر لمشروع تحدد وجهته حسابات الآخرين.

تعليقات