آخر الأخبار

قفزة بـ33 مليار درهم في التزامات الدفاع.. تسليح متصاعد وأسئلة معلّقة حول الرقابة البرلمانية

يرخّص مشروع قانون المالية لسنة 2027 للإدارة المكلفة بالدفاع الوطني بالالتزام بمبلغ 190,5 مليار درهم، وهو رقم يثير تساؤلات بشأن تطور الالتزامات المالية المخصصة للدفاع الوطني. غير أن قراءة هذا المبلغ باعتباره إنفاقاً فورياً تُغفل الفارق الجوهري بين «الالتزام» و«الأداء». فالأمر يتعلق بسقف للتعاقد يمتد على سنوات، وليس بمبلغ يُصرف دفعة واحدة. ومع ذلك، فإن حجم هذا السقف يفرض نقاشاً جدياً حول مسار الإنفاق وآليات مراقبته.

المادة 36 تفتح باب الالتزامات على ميزانية المستقبل

تنص المادة 36 من المشروع، الذي عُرض أمام البرلمان الأمس، على تخويل الوزير المنتدب المكلف بإدارة الدفاع الوطني صلاحية الالتزام بنفقات خلال سنة 2027، تُحتسب على اعتمادات سنة 2028. ويعني ذلك أن التزامات تعاقدية يمكن إبرامها اليوم، بينما يُنتظر أن يُؤدى مقابلها من اعتمادات لاحقة. والمبلغ مخصص لحساب «اقتناء وإصلاح عتاد القوات المسلحة الملكية ودعم تطوير الصناعة الدفاعية».

33 مليار درهم إضافية.. قفزة تفرض تفسيراً واضحاً

بلغ سقف الالتزامات نحو 157,171 مليار درهم في مشروع قانون المالية لسنة 2026، ما يعني زيادة تفوق 33 مليار درهم، أي بنسبة 21,21 في المائة. ولا يتعلق الأمر بزيادة هامشية، بل بتوسع ملحوظ في القدرة على الالتزام بنفقات مستقبلية. وهو ما يطرح سؤالاً حول طبيعة الحاجيات التي تقف وراء هذه الزيادة، ومدى وضوح الأفق المالي الذي يحكمها.

من 124 إلى 190,5 مليار درهم.. منحنى تصاعدي بلا توقف

بلغ سقف الالتزامات 124,766 مليار درهم سنة 2024، ثم ارتفع إلى 133,453 مليار درهم سنة 2025، قبل أن يصل إلى 157,171 مليار درهم سنة 2026، ثم إلى 190,5 مليار درهم في مشروع قانون المالية لسنة 2027. ويكشف هذا المسار عن ارتفاع متواصل في سقف التعاقد خلال هذه السنوات. ومن حق المتابعين أن يتساءلوا عما إذا كان هذا التطور يعكس برنامجاً متعدد السنوات لتعزيز القدرات الدفاعية، وما الآفاق التي ترسمها الدولة لاستمرار هذا المنحى.

بين سقف التعاقد والميزانية السنوية.. أرقام تحتاج إلى تفكيك

في المقابل، تبدو الاعتمادات السنوية أقل إثارة للانتباه. إذ تبلغ الميزانية العامة للإدارة 15,2 مليار درهم، منها 7,2 مليارات درهم اعتمادات أداء لسنة 2027، وثمانية مليارات درهم اعتمادات التزام. أما حساب الاقتناء والإصلاح، فتبلغ الاعتمادات المرصودة له 11,49 مليار درهم. وبحسب الحصيلة الواردة في بعض القراءات لجداول المشروع، يبلغ الغلاف المالي الإجمالي المرتقب نحو 76,4 مليار درهم، بزيادة قدرها 4,7 في المائة.

ويبرز هنا تفاوت في وتيرة التطور بين سقف الالتزامات التعاقدية والاعتمادات السنوية. غير أن المقارنة بين هذه الأرقام تقتضي التمييز بين طبيعة كل اعتماد والفترة الزمنية التي يغطيها، حتى لا تُقرأ مؤشرات مالية مختلفة كما لو كانت تعبر عن الإنفاق نفسه.

السرية العسكرية تحت المجهر.. أين تبدأ الرقابة البرلمانية؟

لا يحدد النص، في مقتضياته المعروضة، طبيعة المعدات أو البرامج الصناعية المعنية بهذه الالتزامات. وفي مجال حساس كالدفاع، يستند المدافعون عن هذا القدر من الغموض إلى مقتضيات السرية، بينما يرى منتقدون أن سقفاً مالياً بهذا الحجم يستدعي توفير حد أدنى من المعطيات التي تتيح لممثلي الأمة فهم توجهات الإنفاق ومراقبة تطورها.

ولا يعني ذلك بالضرورة الكشف عن تفاصيل تقنية أو معلومات قد تمس بالأمن الدفاعي، بل يفتح النقاش حول إمكان التوفيق بين حماية المعطيات الحساسة وضمان الرقابة على الالتزامات المالية العمومية.

5500 منصب مالي والتزامات بعيدة المدى.. من يتتبع الفاتورة؟

يقترن المشروع بإحداث 5500 منصب مالي لفائدة إدارة الدفاع الوطني، وهو ما يندرج ضمن توجه يتجاوز التدبير المالي السنوي إلى التخطيط على المدى المتوسط والبعيد. غير أن الالتزامات التي ستُحمّل على ميزانية سنة 2028 ستحتاج بدورها إلى اعتمادات للأداء، بما يجعل تتبع تنفيذها وتقييم كلفتها الفعلية أمراً أساسياً.

وبين من يرى في هذه الأرقام استثماراً في السيادة وتعزيزاً للقدرات الدفاعية، ومن يعتبرها التزامات مالية ضخمة تستدعي ضوابط أوضح، يبقى السؤال مطروحاً: كيف يمكن ضمان رقابة فعالة على هذه الالتزامات، من مرحلة التعاقد إلى حين أداء مستحقاتها؟

المقال التالي