بعدما جعلوا المغرب زبونهم الأول.. كسابة إسبانيا يطلبون من الرباط إنقاذ صادراتهم من ”شبح الكساد”

قبل بضعة أشهر، أوقف المغرب استيراد الأبقار الحية من إسبانيا، فاشتعل التوتر داخل قطاع تربية الماشية في الجارة الشمالية. واليوم الخميس، لا يتجه الغضب نحو أسباب القرار بقدر ما يتجه نحو الجهة التي اتخذته، إذ تصاعدت المطالب الموجهة إلى السلطات الإسبانية للتحرك دبلوماسياً وإعادة فتح السوق المغربية أمام صادراتها. وكأن إغلاق الباب خطأ يقع على عاتق من أغلقه، لا على من تسببت ممارساته في إغلاقه.
المغرب يغيب عن السوق.. وصادرات إسبانيا تبحث عن طوق نجاة
كشفت وسائل إعلام إسبانية أن المغرب ظل، إلى نهاية السنة الماضية، الوجهة الأولى لصادرات الأبقار الحية الإسبانية، قبل أن تتوقف هذه التجارة كلياً خلال السنة الجارية. وانعكس هذا التوقف مباشرة على مربي الماشية ومنتجي اللحوم في إسبانيا، الذين وجدوا أنفسهم أمام سوق مغلقة، من دون بديل جاهز. والسؤال المحرج الذي يفرض نفسه هو: كيف يُترك مصير قطاع كامل رهناً بقرار صادر عن سوق واحدة؟
أرقام تكشف الارتهان.. و64% من الصادرات معلقة على زبون واحد
تُظهر الأرقام الرسمية أن إسبانيا صدّرت إلى المغرب، قبل سنتين، 61.715 رأساً من الأبقار التي يفوق وزنها 300 كيلوغرام، وهو ما يمثل 52 في المائة من إجمالي صادراتها من الأبقار الحية. وفي السنة الماضية، بلغت الصادرات 51.986 رأساً، بما يعادل 64 في المائة من المجموع. وهكذا ارتفعت الحصة رغم تراجع العدد، في مؤشر على تنامي الاعتماد على السوق المغربية. وهذه ليست شراكة متوازنة بالضرورة، بل اتكال متزايد على زبون واحد، وضع القطاع بيضه كله في سلته.
الدبلوماسية في خدمة التصدير.. هل يُطلب من المغرب تغيير قواعده؟
طالب اتحاد صغار المزارعين ومربي الماشية الإسبانية (UPA) وزارة الفلاحة في بلاده بإطلاق تحرك دبلوماسي مع المغرب، بهدف إقناع السلطات المغربية باعتماد نظام «التقسيم الجهوي»، الذي يتيح استئناف التصدير من المناطق الإسبانية غير المتضررة من المرض. ويبدو المطلب تقنياً في ظاهره، لكنه يعني عملياً مطالبة المستورد بمراجعة شروطه الصحية بما يخدم مصلحة المصدّر، بدل التركيز أولاً على معالجة أسباب الأزمة وضمان استيفاء متطلبات السلامة الصحية.
«لا خطر على الإنسان».. حجة إسبانية لا تحسم معركة صحة القطعان
أشار الاتحاد نفسه إلى أن بؤر المرض سُجلت في إقليمي كتالونيا وأراغون، مؤكداً أنه لا يشكل خطراً على صحة الإنسان، في وقت يدفع فيه نحو استئناف المبادلات التجارية مع المغرب. وهي حجة قد تطمئن المستهلك، لكنها لا تحسم وحدها الاعتبارات الصحية المرتبطة بحماية الثروة الحيوانية. فالقرار الصحي لا يقتصر على سلامة الإنسان، بل يشمل أيضاً حماية القطعان من انتقال الأمراض. فهل يكفي غياب الخطر على البشر لتبرير فتح الحدود أمام الماشية؟
المرض ظهر في إسبانيا.. فلماذا يُصبح القرار المغربي موضع لوم؟
ربطت التقارير الإسبانية قرار الرباط بتشديد الإجراءات الصحية، عقب تسجيل بؤر لمرض التهاب الجلد العقدي المعدي في شمال شرق إسبانيا أواخر السنة الماضية، وهو ما دفع السلطات المغربية إلى تعليق استيراد الأبقار الحية من السوق الإسبانية. وبذلك، لم يأتِ التعليق من فراغ، بل جاء في أعقاب ظهور بؤر للمرض في بلد التصدير، ما يجعل اختزال الأزمة في قرار المستورد وحده قراءة لا تستوعب جميع جوانب الملف.
رهان السلة الواحدة ينقلب على أصحابه.. والرباط تملك قرار فتح السوق
بين المطالب بإعادة فتح السوق والأرقام التي تكشف حجم الاعتماد عليها، يطرح الملف سؤالاً يتجاوز تجارة الأبقار: كيف يتصرف قطاع اقتصادي حين يفقد أحد أبرز زبائنه؟ وإلى أن تتضح الإجابة، يجد المربون الإسبان أنفسهم في انتظار قرار لا يملكون مفاتيحه، وفي مواجهة درس قاسٍ بشأن كلفة تركيز الصادرات في سوق واحدة، وحدود ما يمكن للبائع أن يطلبه من زبون يملك حق تحديد شروط الاستيراد وقرار الشراء.

تعليقات