الرباط وباماكو تراهنان على القضاء الدستوري.. اتفاق لتبادل الخبرات يختبر جدية التعاون جنوب جنوب

بعيدًا عن اللقطات البروتوكولية المعتادة، يفتح الاتفاق بين المحكمة الدستورية المغربية ونظيرتها المالية بابًا جديدًا للتساؤل حول أدوار المؤسسات القضائية في تعزيز العلاقات بين الدول الإفريقية. فالمذكرة الموقعة بين الطرفين لا تقتصر، في ظاهرها، على تبادل الخبرات، بل تطرح أيضًا سؤالًا بشأن قدرة التعاون المؤسساتي على التحول إلى رافعة للشراكة الإفريقية، في سياق تتزايد فيه أهمية القوة الناعمة في العلاقات الدولية.
توقيع في باماكو يتجاوز حدود البروتوكول
على هامش الندوة الدولية التي احتضنتها العاصمة المالية باماكو، بتنظيم من المحكمة الدستورية المالية، وقّع رئيسا المحكمتين الدستوريتين، محمد أمين بنعبد الله وأمادو عثمان توري، مذكرة التفاهم اليوم الأربعاء. ووثّقت صفحة «Morocco In Mali» على منصة «إكس» هذه الخطوة، التي تعكس توجهًا نحو تعزيز التواصل المؤسساتي بين الرباط وباماكو، من خلال بوابة القضاء الدستوري.
القانون كأداة للقوة الناعمة المغربية
تأتي هذه المبادرة في سياق التأكيد على متانة العلاقات الثنائية وأواصر الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. غير أن اختيار القضاء الدستوري مجالًا للتعاون يثير تساؤلات بشأن الأبعاد التي يمكن أن يكتسبها هذا التقارب، خصوصًا أن المؤسسات الدستورية تضطلع بأدوار أساسية في حماية الدستور وترسيخ المشروعية. وبين البعد التقني والرمزية السياسية، يبقى السؤال مطروحًا حول مدى قدرة هذا التعاون على تعزيز الحضور المؤسساتي المغربي في إفريقيا.
تبادل الخبرات يختبر مبدأ التكافؤ
تنص المذكرة على تبادل الخبرات والتجارب الفضلى في مجال القضاء الدستوري، بما يفتح المجال أمام الاستفادة المتبادلة من التجارب المؤسسية لدى الطرفين. لكن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطًا بطبيعة البرامج التي ستُعتمد، ومدى قدرة كل مؤسسة على تقديم خبراتها والاستفادة من تجربة نظيرتها. فالتعاون جنوب-جنوب لا يُقاس بالشعارات وحدها، بل بمدى تجسيده لمبدأ التكافؤ وتحقيقه نتائج ملموسة للطرفين.
الروابط التاريخية أمام امتحان النتائج
تستحضر المذكرة الروابط التاريخية والأخوية الراسخة بين المغرب ومالي، وهي مرجعية تتكرر في عدد من الاتفاقيات الثنائية. غير أن الرهان الحقيقي يتمثل في تحويل هذا الرصيد إلى برامج عملية تضمن استمرارية التعاون، من خلال آليات واضحة وأهداف محددة. فمتانة العلاقات بين البلدين تكتسب قيمة إضافية عندما تنعكس على أداء المؤسسات وتفتح آفاقًا جديدة للتنسيق وتبادل التجارب.
من التوقيع إلى التنفيذ.. أين تكمن الجدوى؟
تضع الأهداف المعلنة للمذكرة، المرتبطة بتطوير القدرات التقنية والبشرية وتعزيز التنسيق الثنائي، الطرفين أمام اختبار التنفيذ. فالتوقيع يشكل بداية المسار، لكنه لا يكفي وحده لضمان نجاحه. وسيكون من المهم تقييم ما ستفضي إليه الاتفاقية من برامج للتكوين وتبادل الخبرات وتنسيق الممارسات، ومدى انعكاسها على أداء المؤسستين الدستوريتين في البلدين.
التعاون القضائي بين طموح الشراكة ومخاطر الشكلية
يمكن لهذا الاتفاق أن يشكل خطوة إضافية في مسار التعاون المؤسساتي بين المغرب ومالي، إذا جرى تحويل بنوده إلى ممارسة مستمرة وآليات قابلة للتقييم. أما إذا ظل أثره محصورًا في حدود التوقيع والتصريحات المصاحبة، فستبقى جدواه العملية موضع تساؤل. وبين طموح تعزيز الشراكة ومقتضيات التنفيذ، سيحدد التطبيق الفعلي ما إذا كان التعاون في مجال القضاء الدستوري قادرًا على تقديم نموذج ملموس للتعاون جنوب-جنوب.

تعليقات