“جون أفريك” تفتح ملف لكويرة الشائك.. التزامات موريتانيا السابقة تصطدم بحسابات الحاضر

عادت لكويرة إلى الواجهة بعدما سلطت مجلة «جون أفريك» الضوء على مساعٍ موريتانية للاعتراف بسيادة نواكشوط عليها، في لحظة تتقاطع فيها مفاوضات قضية الصحراء المغربية مع حسابات الحدود والمصالح الاستراتيجية. وحين يعود ملف طُوي منذ عقود إلى الواجهة في هذا التوقيت بالذات، فإن السؤال الأول ليس «لمن المدينة؟»، بل «لماذا الآن؟».
وكانت المجلة قد نشرت تقريرًا للصحافي فريد البحري بعنوان «بين الصحراء والمحيط، المدينة المغربية الصغيرة لكويرة تثير اهتمام موريتانيا»، يوم الأحد. واللافت أن العنوان نفسه يصف المدينة بالمغربية، قبل أن يسلط الضوء على اهتمام جارتها بها، في صياغة تفتح الباب أمام التساؤل بشأن خلفيات هذا الاهتمام والحجج التي يستند إليها.
1979: التزامات سابقة تعود إلى الواجهة
يعود جوهر المفارقة إلى سنة 1979، حين انسحبت موريتانيا من الحرب في الصحراء وتخلت عن مطالبها الترابية في الإقليم. وقد وقعت في الجزائر، خلال السنة ذاتها، اتفاقًا مع جبهة البوليساريو أعلنت فيه أنها لا تملك، ولا تسعى إلى امتلاك، أي مطالب ترابية أو غيرها في الصحراء. وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن التوفيق بين تلك الالتزامات وأي مطالب جديدة قد تُطرح بشأن لكويرة؟
وتزداد المفارقة حدة عند استحضار ارتباط لكويرة تاريخيًا وجغرافيًا بإقليم الصحراء. فمن منظور الطرح المغربي، يصعب فصل المدينة عن سياقها الترابي والتاريخي، كما يصعب تجاهل دلالات الالتزامات السابقة عند مناقشة أي مطالب بشأنها. ويعيد ذلك اتفاق سنة 1979 إلى دائرة النقاش، باعتباره محطة أساسية لفهم تطور الموقف الموريتاني من القضية.
إرث استعماري يرسم ملامح الانتماء
يستحضر التقرير الاتفاقات الفرنسية الإسبانية الموقعة بين سنتي 1900 و1912، التي رسمت حدود مناطق النفوذ الاستعماري في المنطقة. وفي هذا الإطار، دخلت إسبانيا إلى لكويرة سنة 1920، ثم ألحقتها بمستعمرة ريو دي أورو سنة 1924. ويضع هذا المسار المدينة ضمن سياق الصحراء الإسبانية، بدل المجال الذي آلت إليه موريتانيا الفرنسية.
ويعيد هذا الإرث الاستعماري طرح أسئلة بشأن توظيف الخرائط والاتفاقات التاريخية في النقاشات الإقليمية الراهنة. فمسار لكويرة، كما يعرضه التقرير، يرتبط بتاريخ الصحراء وتطور الحدود خلال الحقبة الاستعمارية، فيما يتمسك المغرب بموقفه القائم على اعتبار الصحراء جزءًا من وحدته الترابية. ومن هنا، يصبح فهم خلفيات الملف مرتبطًا بقراءة تاريخه كاملًا، بدل التعامل مع المدينة باعتبارها نقطة جغرافية معزولة.
موقع استراتيجي وشهية اقتصادية
لا تخفى الأهمية الاستراتيجية للمنطقة؛ فلكويرة تقع على الجانب الغربي من شبه جزيرة رأس نواذيبو، فيما تقع مدينة نواذيبو الموريتانية على جانبها الشرقي. ويمنح هذا الموقع المنطقة أهمية مرتبطة بالأمن والحدود والممرات التجارية، فضلًا عن قربها من أحد أهم المراكز المينائية في موريتانيا. وحين تجتمع الجغرافيا بالاقتصاد، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى تأثير المصالح الاستراتيجية في إعادة طرح الملفات الترابية القديمة.
ويشير التقرير أيضًا إلى اهتمام مستثمرين إماراتيين بإمكانات المدينة، وإلى طموحات لتحويلها إلى قطب اقتصادي وسياحي كبير، في ظل مشاريع البنية التحتية والاستعدادات المرتبطة باستضافة كأس العالم 2030. وتفتح هذه المعطيات باب التساؤل بشأن ما إذا كان الاهتمام المتجدد بلَكويرة يرتبط فقط بالاعتبارات التاريخية والسيادية، أم أن الفرص الاقتصادية المحتملة تؤدي دورًا في إعادة استحضار الملف.
بين الالتزامات السابقة وحسابات الحاضر
تقوم الحجة المغربية، في هذا الطرح، على مرتكزين أساسيين: الالتزامات التي أعلنت موريتانيا بموجبها التخلي عن مطالبها الترابية في الصحراء سنة 1979، والمسار الاستعماري الذي أُلحق بموجبه إقليم لكويرة بريو دي أورو سنة 1924. ومن يريد إعادة طرح هذه المعادلة، يصبح مطالبًا بتوضيح الأسس التاريخية والقانونية والسياسية التي يستند إليها، بدل الاكتفاء بتغير الظروف والمصالح.
وفي المقابل، لا بد من الإشارة إلى أن الجانب الموريتاني يرفض هذه القراءة؛ إذ تؤكد أصوات رسمية موريتانية سابقة أن بلاد شنقيط لم تكن يومًا أرضًا مغربية، كما تستند بعض المواقف الموريتانية إلى واقع السيطرة الفعلية على المنطقة منذ مدة طويلة. وبين الروايتين، يظل الرجوع إلى الوثائق التاريخية والاتفاقات ذات الصلة والتطورات السياسية والقانونية ضروريًا لفهم الملف، بعيدًا عن الاكتفاء بالشعارات أو الأحكام المسبقة.

تعليقات