آخر الأخبار

70 مليون لإصلاح مصعد وشراء بذور البطيخ والطماطم… فضائح صفقات بالملايين تهز المستشفى الجهوي بالعيون

تثير معطيات ووثائق توصل بها موقع “مغرب تايمز” تساؤلات جدية بشأن تدبير عدد من الصفقات والطلبات العمومية داخل إدارة المستشفى الجهوي مولاي الحسن بن المهدي بمدينة العيون، بعدما كشفت مصادر خاصة عن رصد مبالغ مالية مهمة لعمليات اقتناء وإصلاح وخدمات مختلفة، في وقت تؤكد فيه المصادر ذاتها أن الأثر الملموس لعدد من هذه النفقات لا يزال غائبا على أرض الواقع.

وتضع هذه المعطيات إدارة المستشفى أمام جملة من الأسئلة المرتبطة بمدى احترام مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمؤسسة صحية يفترض أن تكون الأولوية فيها لضمان سلامة المرضى وتحسين ظروف استقبالهم وعلاجهم، وليس الاكتفاء بإطلاق صفقات بمبالغ كبيرة دون أن تنعكس نتائجها بوضوح على الخدمات المقدمة.

مصعد بـ20 مليون سنتيم.. والمرضى ينقلون عبر السلالم

أولى النقاط التي أثارت انتباه مصادر “مغرب تايمز” تتعلق بطلب عروض خصصته إدارة المستشفى لإصلاح مصعد يوجد بأحد أروقة المؤسسة التي تستقبل مرضى السرطان، بغلاف مالي يصل إلى 20 مليون سنتيم، وفق المعطيات والوثائق التي توصل بها الموقع.

وتفيد المصادر ذاتها بأن تكلفة اقتناء مصعد من النوع المعني قد تصل، بحسب تقديرها، إلى حوالي 15 مليون سنتيم، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن الكلفة المرصودة للإصلاح مقارنة بسعر اقتناء مصعد جديد.

غير أن النقطة الأكثر إثارة للقلق، بحسب المصدر الخاص، تتمثل في استمرار تعطل المصعد إلى حدود الآن، رغم تخصيص هذا المبلغ لإصلاحه، الأمر الذي يضطر الأطر الطبية إلى نقل المرضى والمعدات بشكل يدوي عبر السلالم.

السؤال الذي يفرض نفسه بخصوص هذه القضية هو: كيف صرفت ميزانية بهذا الحجم لإصلاح مصعد دون أن تتحقق الغاية الأساسية من العملية؟ وهل جرى تسلم الأشغال وفق المساطر المعمول بها؟ ومن المسؤول عن التأكد من مطابقة الخدمة المنجزة لدفتر التحملات قبل صرف المستحقات المالية؟

80 مليون سنتيم للأغطية والوزرات الطبية.. أين اختفت التجهيزات؟

ولا تتوقف التساؤلات عند ملف المصعد، إذ تشير المعطيات التي توصل بها الموقع إلى إطلاق طلب عروض آخر بغلاف مالي يناهز 80 مليون سنتيم، يتعلق باقتناء أغطية لأسرة المستشفى وأكثر من 30 ألف وزرة طبية.

وتؤكد المصادر الخاصة أن المؤسسة لا يتجاوز عدد أطرها الطبية، بحسب تقديرها، حوالي 600 إطار، مضيفة أن هؤلاء لم يتوصلوا، إلى حدود الآن، بالوزرات الطبية موضوع الطلب، وفق ما ورد في إفادتها.

وتطرح هذه المعطيات أسئلة ملحة حول الكميات التي جرى اقتناؤها فعليا، والجهة التي تسلمتها، ومكان تخزينها، وما إذا كانت عمليات التسليم قد تمت وفق الشروط المحددة في الصفقة.

فإذا كانت هذه المشتريات قد تمت بالفعل، فأين توجد اليوم أكثر من 30 ألف وزرة طبية؟ وهل تتوفر إدارة المستشفى على محاضر تسلم وفواتير وجرد للمخزون يوضح مصيرها؟

إنها أسئلة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد تفاصيل إدارية، بالنظر إلى ارتباطها بالمال العام وبحاجيات الأطر الصحية التي تشتغل في ظروف تتطلب توفير وسائل العمل الأساسية.

50 مليون سنتيم لبذور الخضر والفواكه.. ما الحاجة الفعلية؟

ومن بين الملفات التي تستدعي بدورها التوضيح، طلب عروض بقيمة 50 مليون سنتيم، خصص، وفق المصادر ذاتها، لاقتناء بذور عدد من الخضر والفواكه، كالبطيخ والباذنجان والطماطم، مع استفادة إحدى الشركات من هذه الصفقة بحسب المعطيات المتوفرة لدى الموقع.

وتثير هذه العملية تساؤلات بشأن الغرض من اقتناء هذه الكميات من البذور، ومدى ارتباطها بحاجيات المؤسسة الصحية، خصوصا أن المصادر التي تحدثت إلى “مغرب تايمز” تصف المساحات الخضراء داخل المستشفى بأنها محدودة ولا تسمح، وفق تقديرها، بممارسة أنشطة زراعية من هذا النوع على نطاق يبرر المبلغ المرصود.

فهل يتعلق الأمر بمشروع لتهيئة المساحات الخضراء داخل المؤسسة؟ وما حجم المساحة التي ستستغل لهذه الأغراض؟ وكيف جرى تحديد الكلفة المالية للصفقة؟ وهل تتناسب المشتريات مع الحاجيات الحقيقية للمستشفى؟

73 مليون سنتيم لمحاربة القوارض والحشرات.. أين النتائج؟

وفي ملف آخر، تشير المعطيات التي توصل بها الموقع إلى إطلاق طلب عروض بقيمة 73 مليون سنتيم لمحاربة القوارض والحشرات داخل المستشفى.

ورغم أهمية هذه الخدمات في الحفاظ على شروط النظافة والصحة داخل المؤسسات الاستشفائية، فإن مصادر “مغرب تايمز” تتساءل عن مدى انعكاس المبلغ المرصود على الوضع الميداني، معتبرة أن النتائج المنتظرة من هذه العملية لا تظهر، بحسب إفادتها، بالشكل الذي يبرر حجم الإنفاق.

وهنا يبرز سؤال أساسي: هل نفذت عمليات محاربة الحشرات والقوارض وفق البرنامج المحدد في الصفقة؟ وما المناطق التي شملتها التدخلات؟ وهل تتوفر الإدارة على تقارير دورية تثبت إنجاز الخدمات، ومحاضر تثبت مراقبتها وتسلمها؟ وهل المبلغ المرصود (الضخم) لهذه العملية منطقي؟

فالإنفاق على خدمات النظافة والوقاية الصحية يظل ضروريا، لكن ضرورته لا تعفي الجهات المسؤولة من إثبات تنفيذها فعليا، وضمان تناسب تكلفتها مع طبيعة الأشغال المنجزة والنتائج المحققة.

شركة واحدة تستفيد من حصة الأسد؟

وتضيف المصادر الخاصة أن إحدى الشركات استفادت من حصة مهمة من طلبات العروض المذكورة، التي جرى إطلاقها، بحسب المعطيات المتوفرة، خلال الفترة الممتدة بين ماي ويوليوز الماضيين.

وكشف مصدرنا أن هذه المعطيات تستدعي التدقيق في طبيعة الصفقات التي فازت بها الشركة، ومدى استقلالية كل طلب عروض عن الآخر، وشروط المنافسة التي اعتمدت، فضلا عن التحقق من احترام قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص بين المتنافسين.

صفقات قبل دخول المجموعة الصحية الترابية حيز العمل.. من يتحمل المسؤولية؟

ومن المعطيات التي تكتسي أهمية خاصة، أن طلبات العروض موضوع التساؤلات تعود، وفق المصادر الخاصة، إلى الفترة الممتدة بين ماي ويوليوز الماضيين، أي قبل مباشرة المجموعة الصحية الترابية لجهة العيون الساقية الحمراء عملها بشكل فعلي.

ويعيد هذا التوقيت طرح مسألة المسؤوليات الإدارية والمالية المرتبطة بهذه العمليات، والجهات التي أشرفت على إعداد الطلبات وإطلاقها، ثم مراقبة تنفيذها وتسلم الخدمات أو المشتريات المرتبطة بها.

كما يطرح تساؤلات بشأن ما إذا كانت هناك عمليات افتحاص أو مراجعة لهذه الملفات، ومدى استعداد الجهات المعنية لتقديم توضيحات دقيقة حول مصير الأموال المرصودة والنتائج التي تحققت مقابلها.

المال العام ليس مجالا للأسئلة المعلقة

إن خطورة هذه المعطيات لا تكمن فقط في قيمة المبالغ المرصودة، بل في طبيعة المؤسسة المعنية، التي يرتبط أداؤها اليومي بصحة المواطنين وكرامة المرضى وسلامة الأطر الطبية والتمريضية.

فحين يتعلق الأمر بمصعد مخصص لتسهيل التنقل داخل مرفق يستقبل مرضى السرطان، أو بوزرات طبية يفترض أن تصل إلى الأطر الصحية، أو بخدمات وقائية يفترض أن تظهر نتائجها داخل المؤسسة، فإن أي غموض بشأن التنفيذ أو التسلم يستوجب توضيحا رسميا، لا سيما عندما يتعلق الأمر بأموال عمومية.

وفي انتظار توضيحات إدارة المستشفى والجهات الوصية، تبقى الأسئلة قائمة: لماذا لا يزال المصعد معطلا رغم تخصيص 20 مليون سنتيم لإصلاحه؟ وأين توجد الوزرات الطبية موضوع طلب العروض؟ وما الغاية من صفقة البذور التي بلغت 50 مليون سنتيم؟ وهل نفذت خدمات محاربة القوارض والحشرات بما يتناسب مع الغلاف المالي المرصود؟ وما حقيقة استفادة شركة واحدة من حصة مهمة من هذه الصفقات؟

أسئلة مشروعة تنتظر أجوبة واضحة، لأن الأمر لا يتعلق بمجرد أرقام في وثائق إدارية، بل بتدبير المال العام داخل مؤسسة صحية يفترض أن تكون خدمة المواطن فيها هي الأولوية القصوى.

المقال التالي