آخر الأخبار

بعد عقد من التعثر.. المنصوري تعد بتجريم الإثراء غير المشروع وتفتح سؤال المسؤولية عن سنوات الجمود

أعادت رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، ملف الإثراء غير المشروع إلى الواجهة، متعهدة بتجريمه ومعاقبة تضارب المصالح. وهو ملف ظل لسنوات عنوانًا للتعثر والجدل، بعدما سحبت الحكومة السابقة مشروع القانون المرتبط به من البرلمان، ليعود اليوم إلى واجهة الالتزامات الحكومية، وسط تساؤلات بشأن أسباب تعثره طوال السنوات الماضية.

خطاب الثقة أمام النواب والمستشارين

قدمت المنصوري تعهدها خلال عرض البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان. وقالت إن المؤسسات لن تستعيد ثقة المواطنين دون محاربة فعلية للفساد وتضارب المصالح. وأكدت، يوم الاثنين، التزام حكومتها باستكمال المنظومة الوطنية للنزاهة، من خلال تجريم الإثراء غير المشروع ومعاقبة تضارب المصالح، في خطوة تعيد هذا الملف إلى دائرة النقاش السياسي والتشريعي.

مفارقة تلاحق صاحبة الوعد

تكمن المفارقة في أن المنصوري كانت عضوًا في حكومة عزيز أخنوش، التي قررت، قبل نحو خمس سنوات، سحب مشروع القانون رقم 10.16 المتعلق بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي، والذي كان يتضمن مقتضيات لتجريم الإثراء غير المشروع. ويطرح هذا المعطى تساؤلات بشأن أسباب التخلي عن المشروع في السابق، والظروف التي تجعل إحياءه مطروحًا اليوم من جديد، بعدما ظل حبيس الخلافات السياسية والتشريعية.

مشروع وُلد متعثرًا

لم يكن السحب بداية الأزمة، إذ أحالت حكومة عبد الإله بنكيران المشروع على البرلمان قبل نحو عشر سنوات. وظل عالقًا لسنوات بسبب الخلافات بين الأغلبية والمعارضة، خصوصًا بشأن مقتضيات تجريم الإثراء غير المشروع. وهكذا مرّ عقد تقريبًا بين إحالة المشروع والوعد الجديد، دون أن يرى النص طريقه إلى المصادقة، ما يجعل التعهد الحالي اختبارًا لمدى قدرة الحكومة على تجاوز إرث هذا التعثر.

تبرير السحب تحت المجهر

حين سُحب المشروع، أثار القرار جدلًا سياسيًا وحقوقيًا، وسط مخاوف من التخلي عن تجريم الإثراء غير المشروع. وبررت الحكومة خطوتها بصعوبة مناقشة القانون الجنائي بصورة مجزأة، وبالحاجة إلى اعتماد مقاربة شمولية لمراجعته. واليوم، يفرض هذا التبرير سؤالًا مباشرًا: هل زالت تلك الصعوبات، أم أن الحسابات السياسية تغيرت؟ كما يظل مطروحًا معرفة ما إذا كانت الحكومة ستقدم صيغة تشريعية جديدة تتجاوز أسباب الخلاف السابقة.

حزمة تعهدات تنتظر الآجال

لم تقف المنصوري عند مسألة التجريم، بل أعلنت عزم حكومتها تعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، وتجريم إفشاء المعلومات بهدف الحصول على امتيازات. كما وعدت بإصلاح هيكلي للأسواق، ومحاربة الاحتكار والوساطة الانتهازية بتنسيق مع مجلس المنافسة، إلى جانب اعتماد آليات لفحص الصفقات العمومية والتحقيق في التواطؤ في طلبات العروض. غير أن التعهدات المعلنة لا تتضمن، في صيغتها المقدمة، جدولًا زمنيًا واضحًا يحدد متى ستتحول هذه الوعود إلى نصوص قانونية وإجراءات عملية.

الفصل 36 والامتحان الحقيقي

ينص الفصل 36 من الدستور على معاقبة تنازع المصالح واستغلال التسريبات المخلة بالتنافس النزيه، كما يؤكد ضرورة معاقبة الممارسات الاحتكارية. وخلال عرض برنامجها الحكومي، خاطبت المنصوري البرلمانيين قائلة: «كونوا على يقين بأن نضالي طوال 18 سنة كان مبنيًا على هذه الأشياء». لكن اختبار هذه الالتزامات لن تحسمه الخطب وحدها، بل مدى ترجمتها إلى مشاريع قوانين تُحال على البرلمان، وتخضع للنقاش والمصادقة والتنفيذ، بما يضع حدًا لسنوات من الانتظار ويمنح وعود محاربة الفساد مضمونًا تشريعيًا ملموسًا.

المقال التالي