آخر الأخبار

سبتة ومليلية في قلب مواجهة سياسية.. المجتمع المدني يندد بزيارة فيليبي السادس ويطالب الدولة باستراتيجية واضحة

لم تمر زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية المحتلتين مرور الكرام، إذ ردّت عليها عشرات الهيئات الحقوقية والجمعيات المدنية والشخصيات السياسية والثقافية والإعلامية والفنية ببيان تنديدي. ويتصدر الموقعين على البيان الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان، والائتلاف المغربي لمناهضة عقوبة الإعدام، والعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، والجمعية المغربية لحقوق الإنسان، و«ترانسبارنسي المغرب»، والمنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف، وشبكة الطبيبات والأطباء ضد عقوبة الإعدام، وغيرها. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يكفي هذا الزخم المدني لإيصال رسالة المغرب؟

زيارة ملكية ورسائل لا تقبل التأويل البريء

يرى الموقعون أن الزيارة تمثل استفزازًا سياسيًا مقصودًا لمشاعر الشعب المغربي، وليست مجرد بروتوكول عابر. ويعتبرون أنها تكرّس منطق الهيمنة الاستعمارية، بما يتعارض مع مبادئ حسن الجوار والاحترام المتبادل. وقد حلّ العاهل الإسباني بالمدينتين يومي الثلاثاء والأربعاء، وهو ما يجعل الواقعة، في نظرهم، رسالة سياسية قبل أن تكون زيارة رسمية. ويضيف البيان أن الزيارة تحمل إشارات استعمارية تعكس استمرار النزعة الإمبريالية التوسعية في التعاطي الإسباني مع قضية استكمال الوحدة الترابية للمغرب.

الحكومة صامتة.. هكذا يقرأ اليسار المشهد

في المقابل، لا يخفي تحالف اليسار انتقاده لما وصفه بالصمت الرسمي للحكومة المغربية تجاه هذه التطورات. وكان التحالف قد ندّد بالزيارة، معتبرًا أنها تصعيد جديد ضد المغرب وتكريس لشرعية زائفة للاحتلال الإسباني للمدينتين. وأوضح أنها تعبّر عن استمرار إسبانيا في نهج خطوات أحادية الجانب تتنافى مع القوانين والأعراف الدولية. وهكذا، يتحول الجدل من موقف مدريد إلى موقف الرباط.

مجتمع مدني يطالب الدولة برؤية غائبة

لم يكتفِ الموقعون بالتنديد، بل طالبوا الدولة المغربية باعتماد استراتيجية وطنية واضحة للدفاع عن حقوقها التاريخية والسيادية، بالوسائل السياسية والدبلوماسية والقانونية السلمية. ومن بين الموقعين الوزير الأسبق المصطفى الرمي، والنقيبان عبد الرحمن بن عمرو وعبد الرحيم الجامعي، وعبد القادر العلمي، الرئيس السابق للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، ومحمد النشناش، منسق شبكة الطبيبات والأطباء ضد عقوبة الإعدام. وتفتح هذه المطالبة الواضحة باب السؤال: لماذا يحتاج الدفاع عن ملف بهذا الثقل إلى مطالبة علنية بتحديد استراتيجية للتعامل معه؟

أوروبا تعظ بالحرية وتحتفظ بمخلفات الاستعمار

يسجل البيان تناقضًا صارخًا بين الخطاب الأوروبي المدافع عن الحرية والعدالة ومناهضة الاستعمار، والتشبث بمخلفاته التاريخية. وهي مفارقة تضع الأوروبيين أمام اختبار مبادئهم؛ فمن يرفع شعار تصفية الاستعمار خارج حدوده لا يملك ترف الصمت حين يتعلق الأمر بمدينتين ما زالتا تحت سيطرته. ولهذا، أعلنت الهيئات رفضها المطلق «لكل محاولة لفرض الأمر الواقع الاستعماري»، وجددت تشبثها بمغربية سبتة ومليلية والجزر المحتلة.

تصفية الاستعمار قضية لا تسقط بالتقادم

وفي السياق ذاته، كانت مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين قد اعتبرت الزيارة خطوة استفزازية تمسّ بالسيادة الوطنية للمغرب، وتسعى إلى فرض سياسة الأمر الواقع لتكريس استمرار الوجود الإسباني في المدينتين. وأكدت، في بيان صادر عن سكرتاريتها الوطنية بالرباط، أن سبتة ومليلية جزء لا يتجزأ من التراب الوطني المغربي، مشددة على أن استمرار السيطرة الإسبانية عليهما يمثل قضية تصفية استعمار لا يمكن طمسها أو تجاوزها مهما طال الزمن.

حوار مطلوب وأسئلة معلقة

ورغم حدة اللغة، يختم الموقعون بيانهم بدعوة إلى الحوار، إذ جاء فيه: «كما نطالب القوى الديمقراطية والحقوقية الإسبانية والأوروبية بالانخراط في حوار مسؤول لإنهاء هذا الخلاف التاريخي، بما يخدم العدالة والسلم والتعايش بين الشعبين». وبين لغة التنديد ونبرة الحوار، تبقى الأسئلة معلقة: من يمتلك زمام المبادرة، ومتى يتحول الغضب المدني إلى موقف رسمي معلن؟

المقال التالي