آخر الأخبار

المحروقات تضع المنصوري أمام امتحان صعب.. هل تنقذ المغاربة من جحيم الأسعار أم تواصل الحكومة الجديدة النهج السابق؟

يظل ارتفاع أسعار المحروقات من أبرز الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤرق المغاربة، بالنظر إلى انعكاساته المباشرة على القدرة الشرائية للأسر، وتكاليف النقل والإنتاج، وأسعار عدد من المواد والخدمات الأساسية. وقد تصاعد الجدل بشأن هذا الملف خلال الولاية الحكومية السابقة بقيادة عزيز أخنوش، بعدما سجلت أسعار الغازوال مستويات قياسية تجاوزت 16.50 درهما للتر في بعض المحطات، قبل أن يستمر النقاش حول كلفة المحروقات وهوامش الأسعار وآليات ضبط السوق إلى غاية اليوم.

ومع تولي فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة الجديدة، يعود ملف المحروقات إلى واجهة الانتظارات الشعبية، باعتباره أحد الاختبارات الحقيقية لقدرة الحكومة على تقديم حلول ملموسة للتخفيف من أعباء المعيشة. فالمغاربة لا ينتظرون فقط وعودا عامة بشأن تحسين القدرة الشرائية، بل يتطلعون إلى قرارات واضحة بشأن مستقبل تحرير الأسعار، وإعادة تشغيل مصفاة «سامير»، ومعالجة الاختلالات التي يثيرها الفاعلون النقابيون بشأن سوق الطاقة بالمغرب.

وفي هذا السياق، قدم الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز، العضو في الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، قراءة لتطور أسعار النفط والغازوال خلال عهد الحكومات المتعاقبة منذ اعتماد دستور 2011، واضعا أمام الحكومة الجديدة سؤالا مركزيا يتعلق بمدى استعدادها لتغيير المقاربة المعتمدة في تدبير قطاع المحروقات.

أرقام تضع حكومة أخنوش في قلب الجدل

وفق المعطيات التي عرضها اليماني، بلغ متوسط سعر برميل النفط الخام حوالي 83 دولارا خلال عهد حكومة عبد الإله بنكيران، قبل أن ينخفض إلى نحو 60 دولارا في عهد حكومة سعد الدين العثماني، ثم يرتفع إلى أكثر من 85 دولارا خلال عهد حكومة عزيز أخنوش.

أما على مستوى أسعار الغازوال، فتشير الأرقام التي قدمها المسؤول النقابي إلى انتقال متوسط سعر اللتر من 8.82 دراهم خلال حكومة بنكيران إلى 9.24 دراهم في عهد حكومة العثماني، قبل أن يصل إلى 12.58 درهما خلال حكومة أخنوش.

وتكتسي هذه المقارنة أهمية خاصة بالنظر إلى الفارق المسجل بين المراحل الحكومية الثلاث، إذ يبرز اليماني أن فترة حكومة أخنوش تميزت بارتفاع متوسط أسعار الغازوال إلى مستويات أعلى من تلك المسجلة خلال الحكومتين السابقتين. كما استحضر تجاوز السعر 16.50 درهما للتر في يوليوز ونونبر 2022، في سياق تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية واضطراب أسواق الطاقة العالمية.

تحرير الأسعار و«سامير».. محوران في تشخيص الأزمة

في تفسيره للفارق بين أسعار النفط الخام وأسعار الغازوال، يركز اليماني على عاملين أساسيين؛ أولهما تحرير أسعار المحروقات، الذي يعتبر أنه أضاف نحو درهمين إلى كلفة اللتر، وثانيهما استمرار تعطيل نشاط التكرير بمصفاة «سامير»، التي يرى أن إعادة تشغيلها يمكن أن تساهم في تقليص الكلفة بنحو ستة دراهم وفق تقديره الحالي.

ويعيد هذا الطرح ملف المصفاة المغربية إلى صدارة النقاش الاقتصادي، بعدما ظلت منشآتها خارج الإنتاج منذ سنة 2015، في وقت يعتمد فيه المغرب بدرجة كبيرة على استيراد المنتجات النفطية المكررة. ويعتبر المدافعون عن استئناف نشاط التكرير أن إعادة إحياء المصفاة قد تعزز الأمن الطاقي الوطني، وتتيح إمكانات أفضل للتخزين والتكرير، وتقلص بعض أوجه التبعية للأسواق الخارجية.

لكن حجم الانخفاض المحتمل في الأسعار يظل مرتبطا بشروط اقتصادية وتقنية ومالية، ولا يمكن اعتباره نتيجة مضمونة لمجرد استئناف الإنتاج. كما أن تحرير الأسعار يظل بدوره موضوعا للخلاف بين من يدافعون عن آليات السوق والمنافسة، ومن يطالبون بتدخل الدولة لحماية المستهلك وضمان قدر أكبر من الشفافية في تحديد الأسعار.

حكومة المنصوري أمام اختبار الوعود الانتخابية

وضع اليماني الحكومة الجديدة أمام سؤال سياسي واجتماعي مباشر، يتعلق بمدى استعداد مكونات التحالف الحكومي لترجمة مواقفها وبرامجها الانتخابية إلى إجراءات عملية بشأن أزمة الطاقة البترولية. فالأحزاب المشاركة في الأغلبية قد تختلف في تصوراتها بشأن معالجة الملف، لكن التحدي الحقيقي، وفق هذا الطرح، يكمن في مدى قدرتها على بلورة موقف حكومي واضح من تحرير الأسعار ومستقبل مصفاة «سامير».

ويطرح المسؤول النقابي خيارين أساسيين للنقاش: مراجعة نظام تحرير أسعار المحروقات، واستئناف تكرير البترول بالمصفاة المغربية. وهما مطلبان يفتحان الباب أمام مواجهة سياسية واقتصادية بشأن حدود تدخل الدولة في السوق، ودورها في حماية القدرة الشرائية، فضلا عن طبيعة الحلول الممكنة لتقليص كلفة الطاقة على الأسر والمقاولات.

وفي ظل استمرار التقلبات الدولية واحتدام التنافس على مصادر الطاقة، يصبح من الصعب اختزال أزمة المحروقات في عامل واحد أو تحميلها حصريا لحكومة بعينها. غير أن ذلك لا يعفي الحكومة الجديدة من مسؤولية توضيح اختياراتها، وتقديم رؤية قابلة للتنفيذ بشأن الأسعار والمنافسة والتكرير والتخزين.

هل تنهي الحكومة الجديدة معاناة المغاربة مع الغلاء؟

السؤال الذي يطرحه الحسين اليماني يتجاوز حدود المقارنة بين الحكومات، ليصل إلى جوهر السياسة الطاقية بالمغرب: هل ستقدم حكومة فاطمة الزهراء المنصوري التزامات واضحة بشأن مراجعة تحرير الأسعار وإعادة تشغيل مصفاة «سامير»، أم سيستمر العمل بالمقاربة نفسها التي ظلت محط انتقادات نقابية وشعبية؟

وبين مطالب تخفيف الأعباء عن المواطنين والإكراهات المرتبطة بالسوق الدولية وكلفة الاستيراد، ستكون الحكومة الجديدة مطالبة بتقديم أجوبة دقيقة، مدعومة بإجراءات ملموسة وآجال واضحة، بدل الاكتفاء بالتعهدات العامة.

فبالنسبة إلى الأسر المغربية، لا يتعلق الأمر بمجرد أرقام في تقارير اقتصادية أو سجالات بين الفاعلين السياسيين والنقابيين، بل بكلفة يومية تؤثر في التنقل والتموين وتدبير ميزانية الأسرة. ومن هنا، فإن طريقة تعامل حكومة المنصوري مع ملف المحروقات قد تتحول إلى أحد أبرز المؤشرات على قدرتها على الوفاء بوعودها الاجتماعية، واستعادة ثقة المواطنين في السياسات العمومية المرتبطة بالقدرة الشرائية.

المقال التالي