الحكم المؤبد الاجتماعي وحق النسيان الجنائي في قضية الوزيرة المعفاة

يراودني سؤال مسؤولية رئيسة الحكومة عن إعادة الإدماج الاجتماعي وحدود مشروعية الإعفاء الوزاري من منظور حقوقي لحكومة ترفع شعار الادماج .هل يجوز أن تنتهي العقوبة بحكم القضاء، وتستمر مدى الحياة بحكم المجتمع؟ او بحكم الفايسبوك الذي اصبح سلطة قضائية لا يمكن الجزم باستقلاليته وحياده وتجرده وهل من العدل أن يستعيد الإنسان اعتباره أمام القانون، ثم يجد نفسه محكوماً بماضيه امام المجتمع كلما حاول بناء مستقبله؟
هل يمكن للدولة أن تؤسس سياستها الجنائية على الإصلاح والتأهيل وإعادة الإدماج، ثم تسمح بأن يتحول الماضي الجنائي إلى سبب دائم للإقصاء من الحياة العامة؟
وإذا كان المشرع قد أقر نظام رد الاعتبار، فهل أراده مجرد إجراء شكلي تمحى بموجبه بعض الاثار القانونية للإدانة، أم أراده تعبيرا عن فلسفة تشريعية أعمق، قوامها أن الإنسان ليس أسيرا أبديا لأخطائه؟
ثم ألا يشكل استحضار إدانة سابقة، بعد انقضاء العقوبة وزوال آثارها القانونية، نوعا من الحكم المؤبد الاجتماعي الذي لا يصدر عن محكمة، ولا يستند إلى نص عقابي، ولا يعرف نهاية زمنية محددة؟
وأين تبدأ مسؤولية رئيسة الحكومة في حماية فلسفة إعادة الإدماج الاجتماعي، وأين تنتهي سلطتها التقديرية في اقتراح إعفاء أعضاء الحكومة؟ وهل يكفي أن يكون القرار صادرا عن سلطة مختصة حتى يكون بمنأى عن النقاش المتعلق بأسبابه وغايته وآثاره على الحقوق؟
وأخيرا، هل يجوز أن نعاقب الإنسان مرتين على الفعل نفسه: مرة بحكم قضائي محدد، ومرة بحكم اجتماعي قد يستمر طوال حياته؟
إنها أسئلة لا تروم التشكيك في سلطة القضاء، ولا إنكار حق المؤسسات في مساءلة من يتولى المسؤولية العامة، وإنما تسعى إلى استجلاء الحدود التي ينبغي أن تقف عندها آثار الإدانة الجنائية في دولة يفترض أنها تؤمن بسيادة القانون وكرامة الإنسان وإمكانية إصلاحه.
فلا اجد سببا لاعدام الوزيرة المعفية سياسيا اذا تعلق الامر بما راج فايسبوكيا و اعتقد ان قرار اعفائها قد جانب الصواب. وهي كلمة لا بد منها تحت شعار الإنصاف قبل الاختلاف السياسي
أكتب هذا المقال بعد نقاش مع الذات ترسخت فيه القناعة من مرتكز حقوقي محض لانصاف امرأة استقلالية، وليس دفاعا عن حزب الاستقلال، ولا تزكية لمواقفه السياسية أو لممارساته التنظيمية.فموقفي النقدي من بعض الممارسات والأخطاء داخل حزب الاستقلال، واختلافي مع بعض اختياراته وأساليب تدبيره للشأن السياسي، لا يمكن أن يكون مبررا للتخلي عن واجب الإنصاف عندما يتعلق الأمر بحقوق امرأة تنتمي إلى هذا الحزب وهذا الوطن.
فاختلافنا السياسي شيء، والعدل في تقييم الوقائع شيء آخر. ولا ينبغي أن تتحول الخصومة السياسية أو التباينات الحزبية إلى سبب للصمت عن مسألة حقوقية تستحق النقاش، أو إلى ذريعة لتبرير الإقصاء دون تمحيص قانوني حقوقي.
فنحن نصيب ونخطئ، ولا أحد منا يملك صكوك العصمة قد نختلف مع حزب الاستقلال في تدبيره لبعض القضايا، وننتقد ما نعتبره أخطاء في ممارساته، لكن ذلك لا يعفينا من واجب الاعتراف بحقوق المنتمين إليه.كم من وزير ادانه الفايسبوك.اخلاقيا وسياسيا كم
ولذلك، فإن تناولي لواقعة الوزيرة المعفاة لا ينطلق من انتمائها الحزبي، وإنما من قناعة بأن الكرامة الإنسانية لا لون حزبيا لها، وأن الحماية القانونية لا يجوز أن تتغير بتغير المواقع السياسية.
إنني لا أدافع عن حزب، وإنما أدافع عن مبدأ؛ وابحث عن قراءة قانونية حقوقية منصفة، ترفض أن يتحول ماضي الإنسان إلى حكم مؤبد على مستقبله.
يقوم القانون الجنائي الحديث على مبدأ أساسي مفاده أن العقوبة ليست انتقاما دائما من الإنسان، وإنما جزاء قانوني محدد، يرتبط بالفعل المرتكب، ويخضع لضوابط الشرعية والتناسب.
فالعقوبة تصدر عن القضاء، وتنفذ وفق القانون، وتنتهي آثارها بحسب الأحكام التشريعية المنظمة لها.
غير أن الواقع الاجتماعي في مجتمعاتنا النامية قد ينتج أحيانا عقوبة موازية أشد قسوة من العقوبة القضائية نفسها، تتمثل في استمرار الوصم والإقصاء واستدعاء الماضي الجنائي كلما حاول الشخص الاندماج في المجتمع.وهذا ما يمكن تسميته بالحكم المؤبد الاجتماعي.
فهو حكم لا ينطق به القاضي، ولا تحدد مدته المحكمة، ولا ينص عليه المشرع، وإنما قد تصدره نظرة المجتمع وتعيد إنتاجه الممارسات السياسية والمؤسساتية والإعلامية او كما هو الحال هنا وسائل التواصل الاجتماعي الموجهة للافراد وارائهم.
والمفارقة أن الإنسان قد يكون قد أدى ما عليه تجاه العدالة، لكنه يظل مطالبا، بصورة غير مباشرة، بأداء ثمن الخطأ نفسه طوال حياته.
وهنا اجدني امام سؤال اعمق إذا كانت العدالة الجنائية قد قبلت انتهاء الجزاء وفق القانون، فبأي سند يمكن تحويل الماضي إلى عقوبة اجتماعية غير محددة الأجل؟
اي جهل هذا يجعلنا نعدم انسانا اخطا قبل عشرين سنة و عاقبه القضاء قبل نفس المدة لا يعني ذلك إنكار الوقائع التاريخية أو فرض نسيانها على المجتمع، وإنما يعني ضرورة التمييز بين الحق في معرفة الوقائع ذات المصلحة العامة وبين تحويل تلك الوقائع إلى موانع دائمة من ممارسة الحقوق السياسية.
إن حق النسيان الجنائي، بالمعنى الحقوقي الواسع، يقوم على فكرة أن الإنسان لا ينبغي أن يظل مختزلا في خطأ ارتكبه في مرحلة سابقة من حياته.
وإذا كان التشريع المغربي لا يقرر حقا عاما ومطلقا في محو الماضي الجنائي من الذاكرة العامة، فإنه يتضمن نظام رد الاعتبار الذي يهدف إلى الحد من استمرار الآثار القانونية للإدانة وفق شروط محددة.
وتنص المادة 687 من قانون المسطرة الجنائية على أن رد الاعتبار يمحو بالنسبة للمستقبل الآثار الناتجة عن العقوبة وحالات فقدان الأهلية المترتبة عنها، ويتحقق إما بقوة القانون أو بمقرر قضائي.
وتكشف هذه القاعدة عن اختيار تشريعي مهم، مؤداه أن الإدانة الجنائية لا ينبغي أن تتحول بالضرورة إلى مانع قانوني دائم من استعادة الحقوق.
فرد الاعتبار ليس مجرد تقنية إجرائية، بل يعكس فلسفة جنائية قائمة على الاعتراف بإمكانية الإصلاح وإعادة بناء المركز القانوني للمحكوم عليه.
ومع ذلك، يجب التمييز بين رد الاعتبار وبين محو الواقعة التاريخية؛ إذ لا يؤدي الأول بالضرورة إلى إلغاء كل إمكانية مشروعة للاطلاع على الوقائع السابقة، ولا يمنح حصانة من المساءلة المرتبطة بالمسؤولية العامة.هنا يتبادر السؤال ما جدوى رد الاعتبار إذا كان الشخص، رغم استيفائه شروطه، سيظل معرضا للإقصاء استنادا إلى الإدانة نفسها، دون وجود مانع قانوني قائم؟
إن إعادة الإدماج لا تتحقق فقط بخروج الإنسان من المؤسسة السجنية أو انتهاء العقوبة، بل تتحقق كذلك بقدرته على استعادة مكانته داخل المجتمع، وممارسة حقوقه، والمشاركة في الحياة العامة ضمن الحدود التي يقررها القانون.
فمن الناحية الدستورية، يخول الفصل 47 من الدستور المغربي لرئيس الحكومة طلب إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة، على أن يصدر الإعفاء وفق المقتضيات الدستورية المنظمة لذلك.
وبالتالي، فإن الاختصاص الدستوري في اقتراح الإعفاء لا يثير، من حيث المبدأ، إشكالا في وجوده فهو حق دستوري غير أن النقاش القانوني لا يتوقف عند تحديد صاحب الاختصاص، بل يمتد إلى العلاقة بين ممارسة السلطة التقديرية والمبادئ الدستورية العامة والمبادئ القانونية وعدم التعارض معها.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين حق رئيسة الحكومة في طلب اعفاء الوزيرة، وبين مسؤوليتها المؤسساتية عن احترام المبادئ التي تقوم عليها السياسة العمومية في مجال الحقوق وإعادة الإدماج.خصوصا بعد الموافقة على التشكيلة في صيغتها الاولى.
فإذا كانت الدولة تقر نظاما قانونيا يسمح للمحكوم عليه باستعادة اعتباره، فإن من المشروع التساؤل عن مدى انسجام الممارسة المؤسساتية مع هذه الفلسفة عندما يكون الماضي الجنائي المنقضي عنصرا مؤثرا في اتخاذ قرار يمس المستقبل المهني أو السياسي للشخص.
صحيح أن المسؤولية الحكومية ترتبط أيضا بالثقة السياسية ومتطلبات الانسجام المؤسساتي.لكن لا ينبغي كذلك اعتبار زوال الموانع القانونية أمرا عديم القيمة لمجرد أن المنصب موضوع النقاش منصب سياسي.فالمسألة ليست مطالبة رئيسة الحكومة بالإبقاء على وزيرة بعينها، وإنما مساءلة مدى انسجام أسباب الإعفاء، إن ارتبطت بماضٍ جنائي زالت آثاره، مع فلسفة قانونية يفترض أن الدولة نفسها تعمل على تكريسها.
إن الحكم بوجود خطأ قانوني في واقعة الإعفاء يستوجب
معرفة السبب الحقيقي والحاسم الذي بني عليه طلب الإعفاء، والوضعية القضائية النهائية للمعنية بالأمر، ومدى وجود مانع قانوني قائم من تولي المسؤولية الحكومية.
فإذا ثبت أن القرار ارتبط حصريا بإدانة سابقة زالت آثارها القانونية، دون وجود سبب مستقل يتعلق بمتطلبات المسؤولية الحكومية، فإن ذلك يثير تساؤلات جدية حول مدى احترام فلسفة رد الاعتبار ومبدأ المساواة والأمن القانوني.
غير أن هذه الفرضية، حتى عند تحققها، لا تكفي وحدها للجزم ببطلان الإعفاء؛ إذ تظل الطبيعة الدستورية والسياسية لهذا الاختصاص، وحدود الرقابة القضائية عليه، عناصر حاسمة في التكييف القانوني.
ومن ثم، فإن القراءة القانونية المنضبطة تقتضي عدم الخلط بين ثلاثة مستويات: وجود الاختصاص الدستوري، ومشروعية استعماله، ومدى ملاءمة القرار وانسجامه مع أهداف إعادة الإدماج.
إن جوهر الإشكال لا يتعلق بشخص الوزيرة المعفاة وحدها، وإنما يمتد إلى كل مواطن سبق أن تعرض لإدانة جنائية، ثم استوفى مقتضيات القانون وسعى إلى استعادة مكانته في المجتمع.
فهل ينبغي أن يبقى الماضي معيارا حاسما في تقييم مستقبله، مهما طال الزمن ومهما تغيرت ظروفه؟
كما لا ينبغي أن يتحول حق النسيان إلى وسيلة لإخفاء الوقائع التي يقتضي الصالح العام معرفتها.
والتوازن بين هذين الاعتبارين هو ما يمنح دولة القانون معناها الحقيقي.
إن ما يدفعني إلى إثارة هذه القضية ليس انتماء الوزيرة المعفاة إلى حزب الاستقلال، ولا رغبة في الدفاع عن اختيارات هذا الحزب أو تبرير ممارساته.لقد انتقدت، وما زلت أحتفظ بحقي في نقد، بعض الممارسات والأخطاء داخل المشهد السياسي، لأن الاختلاف السياسي حق مشروع، ولأن العمل الحزبي لا ينبغي أن يكون بمنأى عن المساءلة والنقد.
لكنني أرفض أن يتحول ذلك الاختلاف إلى حاجز يمنعني من إنصاف امرأة عندما تطرح وضعيتها أسئلة حقيقية حول الكرامة الإنسانية ورد الاعتبار وإعادة الإدماج الاجتماعي.
ومن هذا المنطلق، فإن الواقعة تستحق نقاشا قانونيا رصينا، لا يقوم على الإدانة المسبقة ، ولا على افتراض براءة قانونية من كل مانع دون الاطلاع على الوثائق اللازمة، وإنما على ضرورة احترام الحدود التي يرسمها القانون لآثار العقوبة.
فإذا كان القضاء قد قال كلمته، واستنفدت العقوبة آثارها القانونية، فهل يحق للمجتمع أن ينصب نفسه قاضيا جديدا، يصدر حكما مؤبدا لا يعرف العفو ولا رد الاعتبار؟
إن الحكم المؤبد الاجتماعي، متى تحول إلى إقصاء دائم دون سند قانوني، يناقض الغاية التي تقوم عليها إعادة الإدماج.
والدفاع عن هذه الغاية ليس دفاعا عن خطأ ارتكب في الماضي، وإنما دفاع عن حق الإنسان في ألا يصبح ذلك الخطأ تعريفا أبديا له.
إننا لا نطالب بنسيان القانون، بل باحترام ما يقرره القانون بشأن انتهاء آثار العقوبة. ولا نطالب بإعفاء المسؤولين من المحاسبة، بل بألا تتحول المحاسبة إلى إدانة أبدية خارج أحكام القضاء.
وما قيمة عدالة تعاقب الإنسان على خطئه، إذا لم تمنحه بعد ذلك فرصة حقيقية ليتجاوز هذا الخطأ؟
الحق في النسيان مقابل الحكم الاجتماعي المؤبد هل نريد الادماج او نفعل الاعدام؟!!!
غزلان حموش: باحثة في القانون مهتمة بقضايا حقوق الانسان

تعليقات