آخر الأخبار

الفوسفاط مغربي والطاقة مستوردة.. مفارقة تضع الأمن الغذائي للمملكة أمام اختبار صعب

حين تعلن منظمة «أوبك» أن نصف سكان العالم يتناولون أطعمة مزروعة باستخدام الأسمدة الاصطناعية، فإنها لا تقدم معلومة زراعية عابرة، بل تكشف عن ارتباط وثيق بين الغذاء والنفط والغاز. فتصنيع أنواع رئيسة من هذه الأسمدة يرتبط بالغاز الطبيعي ومشتقات النفط، سواء باعتبارها مواد أولية أو مصادر للطاقة. وبين الحقل والمصنع والمائدة، يبدو أن الخبز اليومي أقرب إلى آبار الطاقة مما نتصور.

الفوسفاط وحده لا يصنع أمنًا غذائيًا

في هذه المعادلة، يبرز اسم المغرب، المعروف بثروته الفوسفاطية. غير أن الأسمدة الكيميائية تعتمد على ثلاثة عناصر رئيسة، هي النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، ولا تكفي وفرة أحدها، مهما بلغت أهميته، لتلبية جميع الاحتياجات الزراعية. فهل تكفي الثروة الفوسفاطية لتحصين البلاد في مجال الأسمدة، أم أنها تمثل جزءًا من معادلة أوسع تتداخل فيها الطاقة والتصنيع والتجارة الدولية؟

النيتروجين.. الحلقة التي تمر عبر الغاز

بحسب ما أوردته «أوبك»، يعتمد تصنيع الأسمدة النيتروجينية، من الأمونيا إلى اليوريا، بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي، الذي يوفر المادة الأولية اللازمة لإنتاج الهيدروجين والطاقة المستخدمة في العملية الصناعية. ومن هنا يبرز سؤال جوهري: إلى أي حد يستطيع المغرب تأمين حاجياته من الأسمدة في ظل ارتباط جزء من مدخلات إنتاجها بأسواق الطاقة الدولية؟ وهل تمنحه ثروته الفوسفاطية هامشًا كافيًا للاستقلال عن تقلبات هذه الأسواق؟

رهينة أسواق لا يتحكم فيها المغرب

إن ارتباط إنتاج الأسمدة بأسعار النفط والغاز يجعل تكلفتها عرضة للتقلبات في أسواق الطاقة، بصرف النظر عن حاجيات الحقول أو القدرة الشرائية للفلاحين. وهنا تبرز مفارقة تستحق النقاش: بلد يتوفر على ثروة فوسفاطية ذات أهمية عالمية، لكنه يظل معنيًا بتداعيات أسعار مدخلات أخرى قد تتأثر بعوامل خارجية. فكيف يمكن تحقيق التوازن بين متطلبات السوق الدولية وحاجيات الفلاح المغربي؟

الفلاح الصغير يدفع الثمن أولًا

حين ترتفع كلفة الأسمدة، يجد الفلاح الصغير نفسه أمام ضغط متزايد على نفقات الإنتاج، خصوصًا عندما تكون قدرته على امتصاص الزيادات محدودة. وتبرز أهمية الأسمدة الاصطناعية في تعزيز نمو النباتات ورفع المردودية الزراعية، بفضل سرعة إتاحة العناصر الغذائية مقارنة بالعديد من الأسمدة العضوية التي تحتاج إلى وقت أطول للتحلل. وفي ظل هذه المعادلة، يظل الفلاح محدود الإمكانات أكثر عرضة لتداعيات ارتفاع الأسعار، بما قد يوسع الفجوة بين الاستغلاليات الزراعية بحسب قدرتها على تحمل التكاليف.

الدعم الزراعي.. لمن تصل الحماية؟

يفرض هذا الوضع إعادة طرح سؤال الدعم الموجه إلى القطاع الزراعي: هل يصل الدعم المرتبط بالأسمدة إلى الفلاحين الأكثر حاجة إليه؟ وهل تكفي الآليات المعتمدة للتخفيف من آثار تقلبات الأسعار الدولية؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب الاستناد إلى الأرقام والمعطيات الرسمية، وتقييمًا واضحًا لمدى استفادة الفلاحين بمختلف فئاتهم، بدل الاكتفاء بالشعارات المرتبطة بالأمن الغذائي والسيادة الزراعية.

التربة تسدد الفاتورة الأخيرة

حتى إذا أمكن الحد من تأثير الكلفة عبر التصنيع والدعم وتحسين سلاسل التوريد، تظل هناك تحديات بيئية لا ينبغي إغفالها. فالإفراط في استعمال الأسمدة الاصطناعية أو استخدامها بصورة غير ملائمة قد يسهم في تدهور التربة وتلوث المياه والإضرار بالتوازن البيئي والكائنات الحية الدقيقة. وإذا كان رفع الإنتاجية الزراعية هدفًا مشروعًا، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في تحقيقه بصورة مستدامة، بما يضمن تلبية حاجيات الحاضر ويحافظ على الموارد الطبيعية للأجيال المقبلة.

الكلمات المفتاحية: المغرب، الأسمدة الكيميائية، الفوسفاط، الأمن الغذائي، «أوبك».

المقال التالي