آخر الأخبار

من هو بجيجو وزير الصحة في حكومة المنصوري؟ ملفات مثيرة للجدل ومخاوف من تهميش العام لصالح الخاص

لم يكن تعيين البروفيسور يونس بجيجو وزيرا للصحة والحماية الاجتماعية في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري مجرد انتقال لمسؤول أكاديمي وطبي إلى المسؤولية الحكومية، بل فتح الباب أمام نقاش سياسي وحقوقي حول التصور الذي سيحمله للمنظومة الصحية المغربية، وحدود الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ومدى قدرة الدولة على ضمان الحق في العلاج بعيدا عن منطق الربحية والمصالح التجارية.

فالرجل الذي راكم تجربة في تدبير المؤسسات الصحية والبحث العلمي والتكوين الطبي، يجد نفسه اليوم أمام قطاع يعاني اختلالات مزمنة، من الاكتظاظ ونقص الموارد البشرية إلى تفاوت الولوج إلى العلاج بين المدن والمناطق القروية. غير أن خلفيته المهنية، المرتبطة بتدبير مؤسسات صحية وتطوير شراكات مع فاعلين صناعيين وماليين، تطرح أسئلة بشأن الأولويات التي سيعتمدها في تدبير وزارة يفترض أن تضع صحة المواطنين في صدارة اهتماماتها. مواضيع ذات صلة

بروفيسور من تازة بخلفية طبية وتدبيرية

ازداد يونس بجيجو في 22 يونيو 1971 بمدينة تازة، وهو أستاذ للتعليم العالي بكلية الطب والصيدلة بالرباط، متخصص في مجالات مرتبطة بالتشريح والجراحة التجريبية والجراحة المجهرية. وراكم تجربة في المسؤوليات الأكاديمية، إذ شغل منصب نائب رئيس جامعة الزهراوي الدولية لعلوم الصحة المكلف بالشؤون الأكاديمية بين شتنبر 2016 وشتنبر 2022، قبل أن يتولى منصب المدير المنتدب لمؤسسة الشيخ خليفة بن زايد، ثم المدير المنتدب لمؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة ابتداء من يوليوز 2023.

ويحمل الوزير الجديد دكتوراه في الطب، إلى جانب دبلوم التخصص في أمراض النساء والتوليد، وماستر تنفيذي في تدبير وسياسات الصحة من معهد العلوم السياسية بباريس، فضلا عن تكوين في القيادة والتدبير. وهي مؤهلات تجمع بين المعرفة الطبية والخبرة الإدارية، غير أن الانتقال من تدبير المؤسسات الصحية إلى قيادة القطاع الصحي العمومي يضعه أمام اختبار مختلف، بالنظر إلى حجم المسؤولية المرتبطة بتوفير العلاج لملايين المغاربة، بمن فيهم الفئات الهشة التي لا تستطيع تحمل تكاليف العلاج في القطاع الخاص. مواضيع ذات صلة

الشراكات مع الشركات.. نقطة قوة أم مدخل لخصخصة الصحة؟

خلال توليه مسؤوليات داخل مؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة، برزت الشراكات مع شركات صناعية وفاعلين في التكنولوجيا الطبية والتمويل ضمن توجهات المؤسسة. وشملت هذه الشراكات التعاون مع شركة أسترازينيكا في مجالات البحث والتشخيص والأمراض النادرة، إلى جانب التعاون مع فاعلين في التجهيزات الطبية والتكنولوجيا الصحية، فضلا عن مبادرات لدعم الشركات الناشئة المتخصصة في الابتكار الصحي.

هذه الشراكات ليست في حد ذاتها دليلا على وجود اختلالات، إذ يمكن أن تساهم في تطوير البحث العلمي وتحسين التشخيص وتوفير تجهيزات متقدمة. لكن الإشكال الذي يطرح نفسه اليوم يتعلق بمدى قدرة الوزير الجديد على الفصل بين منطق الاستثمار التجاري ومتطلبات المرفق الصحي العمومي، وضمان ألا تتحول الشراكة مع القطاع الخاص إلى مدخل لتوسيع الفوارق بين المواطنين في الاستفادة من العلاج.

وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل استمرار معاناة المستشفيات العمومية من نقص الأطر الطبية والتمريضية، وصعوبات الولوج إلى المواعيد والفحوصات، وتفاوت العرض الصحي بين الجهات. فالمغاربة ينتظرون من المسؤول الجديد رؤية واضحة تجعل الاستثمار في الصحة وسيلة لتحسين الخدمة العمومية، لا مجرد فرصة لتوسيع حضور الشركات في سوق العلاج.

عزيز غالي يثير أسئلة حول توجهات الوزير الجديد

في هذا السياق، نشر الناشط الحقوقي عزيز غالي تدوينة انتقد فيها خلفية تعيين يونس بجيجو، معتبرا أن ما وصفه بمؤهلاته للوزارة يرتبط أساسا بالعمل على فتح المجال الصحي أمام القطاع الخاص عبر الشراكات بين القطاعين العام والخاص، المعروفة اختصارا بـPPP.

وذهب غالي إلى اعتبار هذا التوجه امتدادا لمنظور اقتصادي يدفع نحو توسيع دور القطاع الخاص في تقديم الخدمات الصحية، وربط ذلك بتجربة بجيجو داخل مؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة. كما طرح تساؤلات سياسية بشأن إسناد الحقيبة إلى شخصية قادمة من هذا المسار، معتبرا أن التعيين يثير نقاشا حول طبيعة الاختيارات الصحية للحكومة الجديدة. مواضيع ذات صلة

وتكتسب هذه الانتقادات أهميتها من كونها تطرح قضية جوهرية تتجاوز شخص الوزير: هل تتجه السياسة الصحية المقبلة نحو تقوية المستشفيات العمومية وتوفير الموارد البشرية والتجهيزات اللازمة لها، أم نحو الاعتماد بصورة أكبر على الشراكات مع المؤسسات والشركات الخاصة؟ وهو سؤال يظل مرتبطا بالقرارات الفعلية التي ستتخذها الوزارة، وليس فقط بالخلفية المهنية للمسؤول الجديد.

أسترازينيكا وGE HealthCare وT2S.. ماذا تكشف الاتفاقيات؟

وتوقف عزيز غالي عند عدد من الشراكات التي أبرمتها مؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة خلال الفترة التي تولى فيها بجيجو مسؤولياتها التدبيرية، مشيرا إلى التعاون مع أسترازينيكا، ثم الشراكات المرتبطة بالتجهيزات الطبية والمسارات العلاجية مع GE HealthCare ومجموعة T2S، فضلا عن اتفاقيات مع مؤسسات تمويلية لدعم الشركات الناشئة في التكنولوجيا الصحية والتكوين المستمر.

كما أشار إلى اتفاق أُعلن عنه في ماي 2026، جمع وزارة الصحة ومؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة وشركة «جيغالاب»، بهدف تطوير استخدام الاختبارات التشخيصية السريعة المصنعة في المغرب وإدماجها ضمن مسارات الكشف عن الأمراض المعدية.

وتستدعي هذه الاتفاقيات، بحسب طبيعة كل مشروع، تتبع أهدافها ونتائجها وشروطها المالية، ومدى انعكاسها على جودة العلاج وتكلفته بالنسبة للمواطنين. فالمعيار الحقيقي لنجاح هذه الشراكات لا ينبغي أن يقتصر على عدد الاتفاقيات الموقعة أو حجم الاستثمارات المعلنة، بل يجب أن يشمل أثرها على الخدمات الصحية العمومية، وضمان المنافسة النزيهة، وشفافية الصفقات، وحماية المال العام.

ملف «ماسترلاب».. ادعاءات تطرح أسئلة حول الصفقات

ومن بين النقاط الأكثر حساسية في تدوينة عزيز غالي، حديثه عن ما وصفه بولع الوزير الجديد بطلبات سندات الطلب، وإشارته إلى مختبر «ماسترلاب»، معتبرا أن ملفات مرتبطة بهذه المعاملات ما تزال، بحسب تعبيره، تنتظر تقريرا من جهة حكومية معنية بالذكاء الاصطناعي.

وأضاف الناشط الحقوقي، في تدوينته، أن تعيين بجيجو قد يفتح المجال أمام مزيد من التوسع لهذه الشركة، في إشارة إلى ماسترلاب، قبل أن يلمح إلى وجود ملفات أخرى سيعود إليها لاحقا.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن قاعدة بيانات متخصصة في تتبع الصفقات العمومية تعرض معطيات عن حصول شركة تحمل اسم «ماسترلاب» على 156 سند طلب عموميا بقيمة إجمالية تقارب 12.51 مليون درهم خلال الفترة الممتدة من شتنبر 2023 إلى غشت 2026، في مجالات تشمل المنتجات الصيدلانية غير الدوائية والغازات الطبية وكواشف المختبرات. غير أن هذه الأرقام، بمفردها، لا تثبت وجود مخالفة أو تضارب مصالح، كما لا تكفي لإثبات وجود علاقة غير مشروعة بين الوزير والشركة.

امتحان الوزير الجديد: الحق في العلاج أم توسيع منطق السوق؟

يجد يونس بجيجو نفسه، منذ الأيام الأولى لتوليه وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، أمام مسؤولية تتجاوز تدبير المؤسسات والاتفاقيات إلى تحديد ملامح السياسة الصحية الوطنية. فالتحدي الأكبر لا يتمثل في إبرام شراكات جديدة، بل في تقديم أجوبة ملموسة عن النقص في الأطباء والممرضين، والاكتظاظ داخل المستشفيات، وضعف التجهيزات في عدد من المناطق، وارتفاع تكاليف العلاج بالنسبة للأسر.

كما أن خلفيته المهنية تجعل مطالب الشفافية والمساءلة أكثر إلحاحا، سواء تعلق الأمر بالشراكات مع القطاع الخاص أو بتدبير الصفقات وسندات الطلب. ويظل من حق الرأي العام المطالبة بكشف المعايير المعتمدة في اختيار الشركاء، ونشر حصيلة المشاريع، وتوضيح أوجه صرف الأموال، مع احترام قرينة البراءة وعدم تحويل الانتقادات إلى اتهامات غير مثبتة.

المقال التالي