آخر الأخبار

فرنسا تشتعل.. أكثر من 600 مظاهرة في الشوارع والطلبة يقودون مواجهة مفتوحة ضد غلاء المعيشة وتدهور التعليم

تعيش فرنسا، اليوم السبت 17 أكتوبر 2026، على وقع تعبئة احتجاجية واسعة تشمل مختلف أنحاء البلاد، في مشهد يعيد إلى الواجهة قوة الشارع الفرنسي وقدرته على تحويل المطالب الاجتماعية إلى قضية وطنية تتجاوز حدود المدن والمؤسسات. ومع الإعلان عن أكثر من 600 مظاهرة ضمن خريطة احتجاجية تشاركية تضم أكثر من 1300 تحرك، تستعد البلاد ليوم تعبئة تشارك فيه فئات متعددة، يتقدمها الطلبة والتلاميذ والنقابيون وأنصار حركة «السترات الصفراء»، في مواجهة أوضاع اقتصادية واجتماعية يصفها المحتجون بأنها باتت أكثر صعوبة. وتأتي هذه التعبئة في سياق تزايد الغضب من ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود والطاقة والمواد الغذائية، إلى جانب الاحتقان المرتبط بنقص الإمكانات داخل المؤسسات التعليمية وتراجع جودة بعض الخدمات العمومية.

الطلبة في واجهة الغضب.. المدرسة العمومية تتحول إلى نقطة انفجار

لم تعد الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا مقتصرة على المطالب الاقتصادية التقليدية، بل اتخذت المؤسسات التعليمية نقطة انطلاق لحراك شبابي يتسع نطاقه تدريجياً. فمنذ أواخر شتنبر الماضي، خرج تلاميذ وطلبة إلى الشوارع، ونظموا وقفات ومسيرات واعتصامات أمام عدد من المدارس والثانويات، احتجاجاً على ما يعتبرونه تدهوراً في ظروف التمدرس، وغياب عدد من المدرسين، وضعف التجهيزات، والاكتظاظ، فضلاً عن مشاكل مرتبطة بظروف الدراسة داخل بعض المؤسسات.

ويضع المحتجون مسألة الحق في تعليم عمومي جيد في صلب مطالبهم، معتبرين أن المدرسة يفترض أن تكون وسيلة لتحقيق تكافؤ الفرص والارتقاء الاجتماعي، لا فضاءً تتعمق داخله الفوارق بين أبناء الأحياء الميسورة وسكان المناطق الأقل حظاً. كما يثير نظام القبول والتوجيه نحو التعليم العالي، المعروف باسم «باركورسوپ»، مخاوف لدى عدد من التلاميذ بشأن مستقبلهم الدراسي، والخيارات المتاحة أمامهم، ومدى قدرتهم على الولوج إلى التخصصات التي يرغبون فيها.

وتكشف هذه المطالب عن قلق يتجاوز نقص الموارد داخل الفصول الدراسية، ليطال شعور جيل من الشباب بأن مستقبله أصبح محاطاً بمخاوف متزايدة، في ظل صعوبة ضمان مسار تعليمي مستقر ومتكافئ. وقد دعا نشطاء طلابيون إلى توسيع دائرة التعبئة وربط الاحتجاجات المدرسية بالحراك الاجتماعي الأوسع، أملاً في تحويل المطالب المتفرقة إلى ضغط وطني يصعب تجاهله.

أكثر من 600 مظاهرة.. تعبئة وطنية تتجاوز حدود الاحتجاج الطلابي

وتكتسب تحركات اليوم أهميتها من اتساع رقعتها الجغرافية وتعدد الجهات المشاركة فيها. فبحسب خريطة تشاركية للاحتجاجات، جرى إحصاء أكثر من 1300 تحرك معلن، من بينها أكثر من 600 مظاهرة، في مؤشر على حجم التعبئة التي يسعى منظموها إلى تحويلها إلى محطة وطنية للاحتجاج على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.

غير أن السلطات الفرنسية قدمت تقديرات أقل، إذ تحدثت وزارة الداخلية عن نحو 250 تحركاً و80 مسيرة متوقعة في مرحلة سابقة من الاستعدادات. ويعكس هذا الاختلاف تباين معايير الإحصاء بين التحركات التي يعلن عنها النشطاء والتجمعات التي تتوقعها الأجهزة الرسمية، ما يعني أن الأرقام المتداولة لا تمثل بالضرورة حصيلة نهائية للمظاهرات التي نُظمت فعلياً.

ولا تتوقف أهمية هذه التعبئة عند عدد المسيرات أو حجم المشاركة المرتقب، بل تكمن في محاولة جمع مطالب فئات مختلفة حول قضايا مشتركة، من القدرة الشرائية إلى التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية. فالمسألة لم تعد، بالنسبة إلى المشاركين، مجرد احتجاج على قرار منفرد أو مطلب قطاعي، بل تعبير عن رفض ما يعتبرونه تراجعاً في شروط العيش والخدمات التي يفترض أن تضمنها الدولة لمواطنيها.

مواضيع ذات صلة

غلاء المعيشة يشعل الشارع.. الوقود والأسعار في قلب المواجهة

وبموازاة المطالب التعليمية، يشكل ارتفاع تكاليف المعيشة أحد المحركات الأساسية للتعبئة الحالية. فقد عادت أسعار الوقود والطاقة والمواد الغذائية إلى واجهة النقاش العام، وسط مخاوف من تآكل القدرة الشرائية للأسر، ولا سيما الفئات ذات الدخل المحدود والعمال الذين يعتمدون على سياراتهم في التنقل اليومي إلى أماكن العمل.

وفي هذا السياق، تستعيد حركة «السترات الصفراء» حضورها في المشهد الاحتجاجي، بعد أن برزت سنة 2018 على خلفية الاعتراض على الزيادات الضريبية المرتبطة بالمحروقات، قبل أن تتوسع مطالبها لتشمل العدالة الضريبية والقدرة الشرائية والتمثيل السياسي. ويبدو أن التعبئة الجديدة تحاول استثمار هذا الإرث الاحتجاجي، مع توسيع دائرة المشاركين لتشمل الشباب والنقابات وفئات اجتماعية أخرى.

وتكمن دلالة هذا التقاطع في أن القضايا التي تحرك الشارع الفرنسي لم تعد منفصلة بعضها عن بعض؛ فالتلميذ الذي يحتج على تدهور مدرسته ينتمي إلى أسرة تواجه بدورها ارتفاع الأسعار، والعامل الذي يطالب بتحسين دخله يتأثر بتكاليف النقل والطاقة، فيما تواجه الخدمات العمومية ضغوطاً مالية وسياسية متزايدة. وهكذا تتداخل المطالب اليومية لتصنع حراكاً اجتماعياً أوسع من أي فئة أو تنظيم منفرد. مواضيع ذات صلة

إصابات واعتقالات وتحقيقات.. التعامل الأمني يفتح جبهة جديدة

ولم يخلُ مسار الاحتجاجات الطلابية خلال الأسابيع الماضية من مواجهات وتوترات بين بعض المتظاهرين وقوات الأمن، كما أثارت إصابات خطيرة تعرض لها قاصرون خلال عمليات حفظ النظام نقاشاً واسعاً بشأن حدود استخدام القوة في التعامل مع الاحتجاجات.

وبحسب معطيات أوردتها وسائل إعلام فرنسية وأوروبية نقلاً عن السلطات، تحدثت الحكومة عن إصابة 937 شرطياً وعنصراً من الدرك منذ بداية الاحتجاجات، إلى جانب 248 طالباً و149 من العاملين في المؤسسات التعليمية. كما أعلن وزير الداخلية فتح تحقيقات بشأن مزاعم العنف المنسوب إلى عناصر من الشرطة، شملت حالات إصابات خطيرة وادعاءات بالضرب والإهانة وغيرها من التجاوزات. وتظل هذه الأرقام والتوصيفات منسوبة إلى الجهات التي أعلنتها، فيما يتطلب تحديد المسؤوليات في كل واقعة نتائج التحقيقات المختصة.

وقد زاد الجدل حدة عقب تقارير عن إصابات بالغة لحقت بقاصرين خلال الاحتجاجات، بينها حالات فقدان البصر أو إصابات خطيرة في الأطراف، وهي وقائع تخضع ظروفها للتحقيق. وعلى خلفية إحدى هذه الحوادث، أعلنت السلطات تعليق استخدام أنواع معينة من القنابل الصوتية المستخدمة في حفظ النظام، بينما أكدت وزارة الداخلية أن اللجوء إلى وسائل التدخل الأمني يرتبط بتطور الأوضاع الميدانية.

وبين ضرورة حماية الأشخاص والممتلكات وضمان سير الحياة العامة، ومطلب احترام الحق في التظاهر السلمي وصون سلامة القاصرين، يظل التعامل الأمني أحد أكثر الملفات حساسية في هذه الأزمة. فالمساءلة عن أي تجاوز محتمل لا تتعارض مع تطبيق القانون، بل تشكل جزءاً من ضمانات دولة القانون، تماماً كما أن الاعتداء على الأشخاص أو تخريب الممتلكات لا يمكن تبريره بمجرد المشاركة في احتجاج اجتماعي.

الحكومة أمام اختبار اجتماعي.. هل تكفي الوعود لاحتواء الغضب؟

وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه الحكومة الفرنسية ضغوطاً مرتبطة بإعداد الميزانية والأوضاع المالية للبلاد، وسط خلافات سياسية بشأن الخيارات الاقتصادية والاجتماعية. وقد حذرت السلطات من احتمال تحول بعض التجمعات إلى أعمال عنف، واتخذت تدابير أمنية استعداداً للتحركات المعلنة، فيما أعلن مسؤولون عن إجراءات مرتبطة بتعزيز عدد المدرسين البدلاء في بعض المؤسسات التعليمية.

غير أن هذه التدابير لم تبدد جميع المخاوف لدى المحتجين، الذين يعتبر بعضهم أن الحلول المعلنة لا تعالج جذور الأزمة، ولا سيما ما يتعلق بتوفير الموارد البشرية، وتحسين البنية التحتية للمدارس، وتقليص الاكتظاظ، وضمان ظروف تعليم لائقة. وفي نظر هؤلاء، فإن معالجة الأزمة تتطلب التزامات واضحة وقابلة للتنفيذ، بدلاً من الاكتفاء بوعود لا تظهر نتائجها سريعاً داخل المؤسسات.

وفي الجانب الاقتصادي، تظل مطالب تخفيف أعباء المعيشة وتحسين القدرة الشرائية حاضرة بقوة، خصوصاً لدى الفئات التي تجد صعوبة في التوفيق بين الدخل والنفقات الأساسية. ويضع هذا الوضع الحكومة أمام تحدي الموازنة بين القيود المالية والانتظارات الاجتماعية، في وقت تتسع فيه دائرة النقاش بشأن الأولويات التي ينبغي أن تحكم الإنفاق العمومي.

ولا يمكن الجزم بأن احتجاجات يوم واحد ستقود إلى تغيير سياسي أو اقتصادي محدد، لكن اتساع المطالب وتداخلها يجعلان تجاهل أسبابها أمراً صعباً. فالمؤسسات التعليمية ليست سوى إحدى الواجهات التي ظهرت من خلالها الأزمة، فيما تمتد جذورها إلى قضايا أوسع تتعلق بالعدالة الاجتماعية والثقة في السياسات العمومية.

من احتجاجات المدارس إلى حراك اجتماعي واسع.. هل تستعيد فرنسا مشهد السترات الصفراء؟

وتعيد التعبئة الحالية إلى الأذهان موجة «السترات الصفراء» التي هزت فرنسا منذ سنة 2018، حين تحولت الاعتراضات على تكاليف المحروقات إلى حركة وطنية رفعت مطالب اجتماعية وسياسية متعددة. لكن التشابه في بعض الشعارات والسياقات لا يعني بالضرورة أن الحراك الحالي سيكرر التجربة نفسها، إذ تختلف الظروف وتتباين الجهات المشاركة ومستويات التنظيم والقدرة على الاستمرار.

واللافت في المشهد الراهن هو سعي بعض النشطاء إلى بناء تحالف بين الأجيال، يجمع الطلبة والتلاميذ بالعمال والنقابيين ومؤيدي «السترات الصفراء». ويمنح هذا التقاطع الاحتجاجات بعداً يتجاوز الخلافات المرتبطة بقطاع بعينه، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً بشأن قدرة المشاركين على توحيد مطالبهم حول برنامج واضح وآليات تفاوض محددة. مواضيع ذات صلة

فنجاح أي حركة احتجاجية لا يقاس فقط بعدد المسيرات أو حجم الحضور في الشوارع، بل أيضاً بمدى قدرتها على تحويل المطالب إلى تغييرات ملموسة، والحفاظ على سلمية التحركات، وإيجاد قنوات للحوار مع المؤسسات المعنية. ومن هنا، فإن تطور الاحتجاجات خلال الأيام المقبلة سيظل مرتبطاً برد الحكومة، وبمدى استعداد مختلف الأطراف للانتقال من تبادل الاتهامات إلى معالجة الملفات التي دفعت آلاف الشباب والعمال إلى الشارع.

الخلاصة.. رسالة الشباب تتجاوز أسوار المدارس

ما تشهده فرنسا اليوم ليس مجرد سلسلة من المظاهرات المتفرقة، بل لحظة تختبر فيها المؤسسات قدرتها على الإنصات إلى مطالب اجتماعية متشابكة، في مقدمتها الحق في تعليم عمومي جيد، والعيش بكرامة، والاستفادة من خدمات عامة تستجيب لحاجات المواطنين.

وفي قلب هذه اللحظة، يبرز الطلبة والتلاميذ بوصفهم قوة احتجاجية تعبر عن مخاوف جيل يريد ضمان مستقبله الدراسي والاجتماعي، فيما يجد العمال والأسر ذات الدخل المحدود في هذه التعبئة فرصة لإعادة طرح أسئلة القدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية. وبين الشارع والسلطات، تبقى الحاجة ملحة إلى حوار جاد وإجراءات قابلة للقياس، مع احترام الحق في الاحتجاج السلمي والتحقيق في أي تجاوزات محتملة.

إن الاختبار الحقيقي لا يكمن في قدرة السلطات على تأمين الشوارع خلال يوم احتجاجي، ولا في قدرة المتظاهرين على حشد أكبر عدد ممكن من المشاركين، بل في ما إذا كانت هذه التعبئة ستدفع إلى حلول ملموسة للمشكلات التي فجرتها. فحين يصبح التعليم والعيش الكريم موضوعاً لمظاهرات واسعة، فإن الرسالة التي ينبغي الإصغاء إليها تتجاوز الشعارات العابرة، وتطرح سؤالاً أساسياً عن قدرة السياسات العمومية على الاستجابة لانتظارات المجتمع.

المقال التالي