1.77 مليار دولار من البنك الدولي للمغرب.. الرباط ضمن كبار المستفيدين وأسئلة المديونية تلاحق مصير الأموال

تحولت الأرقام الباردة إلى سؤال ساخن. ففي قائمة أكبر المستفيدين من التزامات الإقراض لدى البنك الدولي للإنشاء والتعمير خلال السنة المالية 2025، يظهر المغرب ضمن البلدان العشرة الأولى، بمبلغ بلغ 1.77 مليار دولار. وبين من يرى في هذا الترتيب شهادة ثقة دولية، ومن يقرأه جرس إنذار مالي، يظل المواطن في حاجة إلى جواب واضح عن كلفة هذه التمويلات.
الالتزام ليس دينا قائما.. فمن يشرح ذلك للمواطن؟
يوضح التقرير السنوي لمجموعة البنك الدولي أن هذه الأرقام تعكس التمويلات التي وافقت المؤسسة على تخصيصها خلال الفترة المعنية، ولا تعبر بالضرورة عن إجمالي الديون القائمة على كل بلد. وهذا التمييز التقني حاسم، لكنه كثيرا ما يغيب عن النقاش العمومي، فيلتقط البعض الرقم ويقفز مباشرة إلى استنتاج «الغرق»، بينما يتمسك آخرون بالتوضيح كأنه صك براءة. وحدها الشفافية في الشرح كفيلة بوضع حد لهذا الاستقطاب.
ما لا يُصرف اليوم قد يُحاسَب عليه غدا
لا تعني المبالغ المعلنة أن كامل التمويل صُرف خلال السنة ذاتها. ومن هنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله: كم صُرف فعليا، وما الجدول الزمني لصرف المبالغ المتبقية، وما الأعباء التي ستترتب على الخزينة في السنوات المقبلة؟ فالتمويل الذي يُقرّ اليوم قد يُصرف تدريجيا، لكنه يخضع لشروط السداد المتفق عليها، والفرق بين لحظة الموافقة ولحظة السداد هو ما يحتاج إلى حساب عمومي مفصل.
أين ذهبت الأموال؟ سؤال لا يكفيه بلاغ رسمي
يبقى جوهر القضية في وجهة هذه التمويلات، لا في حجمها وحده. هل وُجهت إلى مشاريع تخلق فرص الشغل وتحسن الخدمات الأساسية، أم إلى برامج يصعب على المواطن تلمّس أثرها؟ ولا يستقيم الحكم على أي قرض بمعزل عن نتائجه، إذ يمكن أن يكون الاقتراض الكبير استثمارا ذكيا، كما يمكن أن يتحول الاقتراض الصغير إلى تبذير مكلف. غير أن هذا الحكم يظل متعذرا ما دامت المعطيات القطاعية المفصلة بعيدة عن متناول الرأي العام.
تمويل التنمية.. أم تمويل الحلول السهلة؟
القروض، بخلاف المنح، التزامات مالية يتعين سدادها وفق شروط وآجال محددة، وهو ما يميز نشاط البنك الدولي للإنشاء والتعمير عن المؤسسة الدولية للتنمية، التي تتجه أساسا إلى البلدان منخفضة الدخل، وتوفر تمويلات ميسرة ومنحا. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يلجأ المغرب إلى هذا التمويل لأنه الأنسب من حيث الكلفة والآجال، أم لأنه الأسهل من الناحية المسطرية؟ وما قيمة هذه المقارنة إذا لم تُنشر شروط الاقتراض بما يتيح للمواطن والخبراء فحصها وتقييمها؟
في مرآة الكبار: شرف الترتيب أم جرس الإنذار؟
يتقاسم المغرب لائحة البلدان العشرة الأولى مع اقتصادات كبرى، مثل البرازيل والهند وإندونيسيا، ومع بلدان تعيش ظروفا استثنائية، مثل أوكرانيا. وتحمل هذه المكانة وجهين؛ فهي قد تعكس ثقة المؤسسة الدولية في المملكة، لكنها تذكّر أيضا بأن الحضور بين كبار المستفيدين من التمويلات لا يُعد في حد ذاته إنجازا. فالمقياس الحقيقي هو القدرة على تحويل التمويل إلى نمو يتيح سداد الالتزامات من ثماره، لا تحميل الأجيال المقبلة أعباءها.
الشفافية أولا: ما الذي يجب أن يعرفه المغاربة؟
يستحق المغاربة ما هو أكثر من ترتيب في جدول. فمن حقهم الاطلاع على تفاصيل التمويلات حسب القطاعات، وحجم المبالغ المصروفة والمتبقية، وكلفة الاقتراض وآجال السداد، فضلا عن أثر المشاريع الممولة على حياتهم اليومية. وحين تُنشر هذه المعطيات بوضوح، يتحول النقاش من تراشق بين خطابَي «الغرق» و«الاطمئنان» إلى محاسبة مبنية على الأرقام. وإلى أن يحدث ذلك، سيظل مبلغ 1.77 مليار دولار قابلا لقراءات متناقضة، وسيبقى الجواب الحاسم رهينا بتوفير المعطيات الكاملة.

تعليقات