اليماني يكشف لـ«مغرب تايمز» كواليس شحنة الغازوال الروسي المثيرة للجدل

لم تكد أنباء استيراد المغرب شحنة من الغازوال الروسي تنتشر حتى تحولت إلى مادة دسمة للنقاش، بين من رأى فيها طوق نجاة لسوق الطاقة، ومن اعتبرها مجرد ضجيج إعلامي. وبين الفريقين، غابت الأسئلة الجوهرية: هل نحن أمام حل حقيقي لأزمة المحروقات، أم أمام مسكّن عابر يُراد به تهدئة الرأي العام؟ وفي ظل تحولات أسواق النفط الدولية واستمرار الضغط على القدرة الشرائية للمغاربة، يصبح هذا السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
الحسين اليماني يرفض تضخيم أهمية الشحنة الروسية
من قلب هذا الجدل، خرج الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية لصناعات البترول والغاز التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، بتصريح لـ«مغرب تايمز»، قلّل فيه من أهمية ما تروّجه بعض المواقع بشأن استيراد المغرب 40 ألف طن من الغازوال الروسي، عقب الاستثناءات الأمريكية. ولم يكن تصريحه تعليقًا عابرًا، بل تفنيدًا مباشرًا لقراءة تضخّم حجم الشحنة وتحمّلها أكثر مما تحتمل.
ثلاثة أيام فقط.. أرقام تكشف محدودية الشحنة
ولأن الأرقام لا تجامل أحدًا، احتكم اليماني إلى لغتها الصارمة. فالاستهلاك الوطني من الغازوال يتجاوز 6 ملايين طن سنويًا، أي نحو 16 ألف طن يوميًا ونصف مليون طن شهريًا. وبحسبة بسيطة، فإن 40 ألف طن لا تكفي المملكة سوى ثلاثة أيام، ما يجعل الحديث عن «إنجاز» أقرب إلى المبالغة منه إلى الحقيقة.
مسكّن مؤقت لا يعالج أزمة المحروقات
وصف اليماني الشحنة بأنها «جرعة مسكّنة»، وهو توصيف يختزل مأزق المقاربة المعتمدة في تدبير الأمن الطاقي. فالمسكّن يخفف الألم لساعات، لكنه لا يعالج المرض، والشحنات الظرفية قد تهدّئ توتر السوق لأيام، لكنها لا تعيد بناء منظومة تعاني اختلالات بنيوية عميقة. وحين تُقدَّم الحلول المؤقتة على أنها خيارات استراتيجية، يتأجل العلاج الحقيقي، وتتفاقم الكلفة على الاقتصاد والمواطنين معًا.
«العري الطاقي».. هل يملك المغرب ضمانات السيادة؟
ذهب القيادي النقابي أبعد من ذلك حين تحدث عن حالة «العري الطاقي»، وهي عبارة لاذعة تختزل واقعًا مقلقًا: بلد يعتمد في تأمين حاجياته من الوقود على شحنات تأتي من مصادر مختلفة، دون امتلاك قدرة ذاتية كافية على التكرير والتخزين. فأي سيادة طاقية هذه التي تتوقف على صفقة ظرفية أو استثناء دولي قد يُرفع غدًا؟ وأي أمن يمكن الحديث عنه حين لا تكفي شحنة كاملة لتغطية سوى بضعة أيام من الاستهلاك الوطني؟
مصفاة «سامير».. لماذا يستمر الحل في الانتظار؟
في مواجهة هذا الوضع، يضع اليماني الإصبع على ما يراه مفتاحًا للحل: اتخاذ قرار سياسي حاسم يعيد مصفاة «سامير» بالمحمدية إلى نشاطها الطبيعي، عبر تفويت أصولها لفائدة الدولة عن طريق مقاصة الديون. ويظل هذا المطلب مطروحًا منذ توقف المصفاة عن الإنتاج سنة 2015، دون أن يتحول إلى قرار ملموس. فلماذا تُترك أكبر مصفاة في البلاد رهينة التردد، بينما تُستورد شحنات لا تكفي لتغطية الاستهلاك الوطني لأكثر من ثلاثة أيام؟
أسعار مرتفعة ومصالح متشابكة.. من يدفع الثمن؟
أما أخطر ما حذّر منه اليماني، فهو أن غياب الحل الهيكلي سيُبقي أسعار الوقود عند مستويات مرتفعة، ما يرهق القدرة الشرائية للمغاربة ويصبّ، بحسب تقديره، في مصلحة الموزعين والمكررين الأجانب، على حساب بناء مخزون استراتيجي للبلاد. وحتى مع التراجع الطفيف المرتقب في سعر الغازوال، من 16.25 إلى 16.05 درهمًا للتر ابتداءً من 16 أكتوبر، يظل الانخفاض محدودًا مقارنة بوطأة الغلاء. ويبقى السؤال معلقًا: من يستفيد فعلًا من استمرار هذا الوضع، ومن يدفع ثمنه كل يوم عند محطات الوقود؟

تعليقات