سقف ضريبي بـ20% وضريبة على الثروات الكبرى.. تناقضات تهدد بتحويل برنامج الأغلبية إلى معركة وعود مؤجلة

اجتمعت أربعة أحزاب حول الطاولة نفسها في 12 أكتوبر 2026، لتشكيل أغلبية جديدة رفعت شعارات متقاربة بشأن القدرة الشرائية والتشغيل والعدالة الاجتماعية. لكن ما إن يُفتح ملف الضرائب حتى تظهر التباينات داخل هذه الأغلبية، التي تجمع بين برامج تحمل تصورات متعارضة. فمن يدعو إلى تخفيف العبء الضريبي عن أصحاب الدخول المرتفعة يجد نفسه إلى جانب من يريد تحميل الثروات جزءاً من الفاتورة، فيما تعد الأغلبية الجميع بالإنصاف.
ويقدم حزب «الأصالة والمعاصرة» الطرح الأكثر جرأة، من خلال اقتراح ثلاث شرائح فقط للضريبة على الدخل، بسقف هامشي لا يتجاوز 20%، مقابل 37% في الجدول الحالي. ويقضي المقترح بإعفاء الأجور الإجمالية الشهرية التي تقل عن 15 ألف درهم، وفرض ضريبة بنسبة 10% على الأجور التي تتراوح بين 15 ألفاً و46 ألف درهم، و20% على ما يتجاوز ذلك. ويبدو أن أصحاب الأجور المرتفعة سيستفيدون من هذا النظام بصورة أوضح من أصحاب الأجور المتوسطة، ما يطرح سؤالاً مباشراً: من المستفيد الأول من هذا التخفيض الضريبي؟
أما شركاء الحزب في الأغلبية، فيتبنون توجهات مختلفة. إذ يقترح حزب «التقدم والاشتراكية» ضريبة تضامنية على الثروة بسعر تصاعدي يتراوح بين 0,3% و0,5%، تخصص لتمويل التأمين الإجباري الأساسي عن المرض والحماية الاجتماعية، مع تشديد الضريبة على الريوع وتقليص بعض النفقات الجبائية. بدوره، يدعو حزب «الاتحاد الاشتراكي» إلى فرض ضريبة تصاعدية على الثروات الكبرى الصافية، مع إعفاء الأصول المنتجة، فيما يقترح حزب «الاستقلال» سعراً قد يصل إلى 40% على الشركات التي تتمتع بوضعيات احتكارية أو تحقق ريوعاً استثنائية. فكيف يمكن لحكومة واحدة أن تخفف العبء الضريبي عن أصحاب الدخول العليا، وتشدد في الوقت نفسه على الثروات والأنشطة الريعية؟
300 مليار درهم من نمو لم يتحقق بعد: شيك يوقعه الجميع ولا يصرفه أحد
تزداد الصورة تعقيداً عند الانتقال من الضرائب إلى التمويل. فحزب «الأصالة والمعاصرة» يقدّر نفقاته الإضافية بـ350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، ويعتزم تعبئة نحو 300 مليار درهم منها من عائدات النمو المرتقبة، وتوسيع الوعاء الضريبي، وتعزيز مساهمات المؤسسات والمقاولات العمومية. كما يعوّل على 40 مليار درهم من الجماعات الترابية عبر الصندوق المخصص للضريبة على القيمة المضافة، و10 مليارات درهم من إعادة تخصيص الموارد وتحسين النجاعة. وبذلك، يستند الجزء الأكبر من التمويل إلى إيرادات لم تُحصّل بعد.
أما حزب «التقدم والاشتراكية»، فيرفع سقف النفقات الإضافية إلى 575 مليار درهم، ويتوقع تعبئة موارد تناهز 622 مليار درهم، من بينها 300 مليار درهم مرتبطة بمرونة الجباية، أي بالعائدات المنتظرة من النمو. وهكذا، يراهن الحزبان على المبلغ نفسه تقريباً ضمن تصوريهما للتمويل، رغم أن الفارق بين حجم الإنفاق الذي يقترحه كل منهما يبلغ 225 مليار درهم. فكيف يمكن للمورد نفسه أن يسهم في تمويل برنامجين بهذا التباين في الحجم؟
وتزداد المخاطر مع ارتباط هذه الموارد بفرضيات نمو تتراوح بين 5% لدى حزبي «الأصالة والمعاصرة» و«التقدم والاشتراكية»، و6% على الأقل لدى حزب «الاتحاد الاشتراكي». وإذا لم يحقق الاقتصاد هذه المعدلات، فلن يكون الأمر مجرد نقص محدود يمكن تداركه، بل قد يتحول إلى فجوة تمويلية تمس جوهر البرامج المقترحة، وتتسع كلما تأخرت العائدات المنتظرة عن المستوى الموعود.
أغلبية بلا مفاتيح: من يحسم حين تتعارض الأرقام؟
يطرح هذا التباين تحدياً أمام صياغة برنامج حكومي مشترك قادر على التوفيق بين سقف ضريبي لا يتجاوز 20% ومقترحات لفرض ضرائب على الثروة، فضلاً عن الاعتماد المتكرر على 300 مليار درهم من عائدات النمو لتمويل التزامات مالية مختلفة. فالتوافق السياسي وحده لا يكفي لحسم هذه التناقضات، ما يجعل ترتيب الأولويات وتحديد مصادر التمويل الفعلية اختباراً أساسياً لانسجام الأغلبية.
ويبقى السؤال المطروح: أي الأحزاب سيضطر إلى مراجعة الوعود الأكثر كلفةً أمام ناخبيه عندما تنتقل هذه المقترحات من البرامج الانتخابية إلى طاولة التفاوض الحكومي؟

تعليقات