آخر الأخبار

أين ربط المسؤولية بالمحاسبة؟ هل تعصف فضيحة “نحيلة” بآمال بنسعيد في العودة إلى وزارة الثقافة؟

لم تعد قضية تعيين المدعو “ع نحيلة”، مديرا للمركز الثقافي الجديد بمدينة سيدي قاسم مجرد قرار إداري انتهى الجدل بشأنه بإعلان إلغائه، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى استعداد وزارة الشباب والثقافة والتواصل، التي يقودها المهدي بنسعيد، لتوضيح ملابسات القرارات المتخذة داخل مصالحها، وتحديد المسؤوليات عندما تثار شبهات بشأن احترام المساطر الإدارية ومعايير إسناد مناصب المسؤولية.

فبحسب المعطيات المتداولة بخصوص هذه القضية فإن قرار تعيين نحيلة، الصادر في 24 شتنبر 2026، اتخذه المدير الجهوي للثقافة بصورة منفردة، دون الرجوع إلى الإدارة المركزية أو الحصول على موافقتها، بينما كانت الوثيقة المركزية المتعلقة بالمعني بالأمر تخص إلحاقه بقطاع الثقافة بإقليم سيدي قاسم، وليس تعيينه مديراً للمركز الثقافي.

ووفق المصدر المسؤول الذي نقلت عنه هذه المعطيات، فقد جرى إلغاء قرار التعيين بعدما تبين أنه اتخذ خارج الإجراءات المعتمدة لإسناد مناصب المسؤولية. وهي معطيات تضع طريقة تدبير هذا الملف تحت المجهر، وتستدعي توضيحات رسمية أكثر تفصيلا بشأن كيفية اتخاذ القرار، والجهة التي صادقت عليه، والظروف التي سمحت بصدوره قبل التراجع عنه لاحقا.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على المهدي بنسعيد ووزارته لا يتعلق فقط بإلغاء التعيين، بل بما إذا كانت هذه الخطوة كافية لإنهاء الملف، أم أنها لا تعدو أن تكون معالجة للنتيجة دون مساءلة الأسباب التي أدت إليها.

فإذا كانت الوزارة قد أقرت، بأن قرار التعيين اتخذ خارج المساطر المعتمدة، فإن الرأي العام من حقه أن يعرف ما إذا كانت قد فتحت تحقيقا إداريا لتحديد المسؤوليات، وما إذا كان المسؤول الذي أصدر القرار قد قدم توضيحات بشأن الأساس الذي اعتمده، وما إذا كانت هناك تدابير تأديبية أو إجراءات أخرى اتخذت في ضوء نتائج أي بحث رسمي.

ذلك أن تصحيح القرار الإداري لا يعفي تلقائيا من البحث في ظروف اتخاذه، كما أن إلغاء تعيين لا يجيب وحده عن سؤال المسؤولية الإدارية. وإذا ثبت وجود إخلال بالواجبات المهنية، فإن تحديد المسؤوليات ينبغي أن يتم وفق القانون.

وهنا تحديدا تبرز مسؤولية الإدارة المركزية والوزير الوصي سياسيا عن تقديم توضيحات للرأي العام بشأن كيفية مراقبة القرارات الصادرة عن المديريات الجهوية، ومدى وجود آليات فعالة لمنع اتخاذ قرارات تتعلق بمناصب المسؤولية خارج المساطر المعتمدة.

إن كان قرار التعيين قد صدر بالفعل دون الموافقات اللازمة، كما نقلت المصادر الإعلامية، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند المسؤول الذي وقع الوثيقة، بل يجب أن يمتد إلى منظومة المراقبة الإدارية التي يفترض أن تضمن احترام القواعد قبل صدور القرارات، لا بعد تحولها إلى موضوع جدل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي.

هل توجد آليات واضحة للتحقق من قانونية قرارات إسناد المسؤوليات داخل المؤسسات الثقافية؟ وهل تخضع هذه القرارات لمراقبة قبلية تمنع أي تجاوز محتمل؟ ولماذا لم يحسم الأمر، بحسب الرواية المنشورة، إلا بعد تداول القضية إعلاميا واحتدام النقاش بشأنها؟

هذه أسئلة مشروعة لا تعني افتراض وجود تدخل سياسي أو محاباة، لكنها تفرض على الوزارة توضيح الوقائع والوثائق، خصوصا أن تعيين مسؤول على رأس مؤسسة ثقافية عمومية يتعلق بتدبير مرفق يخدم المواطنين، وليس شأنا داخليا يمكن طيه بمجرد سحب قرار أو تعديله.

وما زاد القضية إثارة للجدل، انتشار صور لنحيلة رفقة وزير الشباب والثقافة والتواصل المهدي بنسعيد، وهو ما دفع عدداً من المدونين إلى التساؤل بشأن طبيعة العلاقة التي تجمع الطرفين، وربط تعيينه المثير للجدل بما اعتبروه احتمال وجود معرفة مسبقة بينه وبين الوزير. وقد زاد تداول هذه الصور من حدة التساؤلات حول معايير إسناد مناصب المسؤولية داخل الوزارة، ومدى ضمان تكافؤ الفرص والشفافية في التعيينات، وهي أسئلة تظل الإجابة عنها مسؤولية المؤسسة المعنية.

تقدم تجارب دولية مختلفة نماذج توضح أن الجدل حول استغلال الوظائف أو المال العام لا يحسم دائما بمجرد التراجع عن قرار، بل قد يصل إلى القضاء عندما تتوافر أدلة على ارتكاب أفعال مجرمة.

في فرنسا، أدين رئيس الوزراء الأسبق فرانسوا فيون في قضية تشغيل زوجته بينيلوبي فيون في وظائف برلمانية اعتبرت وهمية، بعدما خلص القضاء إلى أنها تقاضت أموالاً مقابل عمل لم ينجز على النحو الذي جرى الادعاء به. وفي يونيو 2025، أصدرت محكمة فرنسية حكماً جديداً في القضية قضى بسجنه أربع سنوات مع وقف التنفيذ، وتغريمه 375 ألف يورو، مع منعه من تولي مناصب انتخابية لمدة خمس سنوات. وتظهر القضية كيف يمكن أن تتحول الشبهات المتعلقة بتوظيف الأقارب والاستفادة من المال العام إلى مسار قضائي عندما تثبت عناصر الجريمة، لا لمجرد وجود علاقة عائلية في حد ذاتها.

أما في البرازيل، فقد أرست المحكمة الاتحادية العليا قواعد صارمة لمناهضة المحاباة العائلية في الإدارة العمومية، من خلال الاجتهاد القضائي والقاعدة الملزمة رقم 13، التي تحظر تعيين أقارب مسؤولين عموميين في عدد من المناصب والوظائف المحددة قانونا. وتستند هذه القواعد إلى مبادئ الحياد والمساواة والكفاءة في تدبير المرافق العامة، حتى لا تتحول الوظيفة العمومية إلى امتياز مرتبط بالعلاقات الشخصية.

في السياق المغربي، ينص الفصل الأول من الدستور على أن النظام الدستوري للمملكة يقوم على فصل السلط وتوازنها وتعاونها، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة. وهو مبدأ لا ينبغي أن يظل شعارا عاما، بل يفترض أن ينعكس في طريقة تدبير الإدارات العمومية، وفي التعامل مع القرارات التي تثير أسئلة بشأن قانونيتها وشفافيتها.

ومن هذا المنطلق، فإن قضية تعيين مدير للمركز الثقافي بسيدي قاسم ثم الإعلان عن إلغائه تستحق توضيحا مؤسساتيا يتجاوز تبادل التصريحات أو الاكتفاء بتصحيح الوضع الإداري. المطلوب هو الكشف عن المسطرة التي جرى اعتمادها، وتحديد ما إذا كانت قد وقعت مخالفة فعلية، وبيان الإجراءات التي اتخذتها الوزارة لضمان عدم تكرارها.

كما أن مسؤولية المهدي بنسعيد السياسية والإدارية، بصفته الوزير الوصي، تقتضي تقديم أجوبة واضحة بشأن آليات الرقابة داخل القطاع.

فالمحاسبة لا تعني إدانة أحد قبل التحقيق، لكنها تعني أيضاً ألا تنتهي كل قضية مثيرة للجدل بقرار تصحيحي دون توضيح ما جرى، ومن يتحمل مسؤوليته، وما إذا كانت هناك حاجة إلى إجراءات إدارية أو قانونية إضافية.

وفي خضم المشاورات الجارية لتشكيل الحكومة الجديدة، يطرح ملف “نحيلة” سؤالا سياسيا إضافيا حول مدى تأثير تدبير وزارة الثقافة لهذه القضية على حظوظ المهدي بنسعيد في العودة إلى كرسي الوزارة لولاية جديدة. فهل ستمر هذه القضية دون أن تترك أثرا على صورة الوزير الشاب، أم ستتحول إلى نقطة تطرح عند تقييم حصيلة تدبيره للقطاع؟ وبينما تظل حسابات الاستوزار رهينة باعتبارات سياسية وحزبية متعددة، فإن الجدل المثار يضع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة أمام اختبار جديد، ويجعل الرأي العام يتساءل عما إذا كانت شفافية التعيينات واحترام المساطر سيحضران ضمن معايير اختيار الوزراء الجدد، أم أن القضية ستطوى بمجرد التراجع عن قرار التعيين، دون كشف كامل ملابساته وتحديد المسؤوليات وفق القانون.

مواضيع ذات صلة

المقال التالي