آخر الأخبار

فرقاطات في البحر وطمأنة في التصريحات.. هل تخفي مدريد حقيقة ما جرى قبالة سبتة؟

تقول الحكومة الإسبانية إن ما جرى مجرد «حادث ظرفي»، وإنه عولج «بشكل طبيعي تمامًا بين بلدين في إطار علاقات حسن الجوار». غير أن الحوادث العادية لا تستدعي عادةً تحريك سفن عسكرية أو تعزيز الوجود البحري بفرقاطة ثم استبدالها بأخرى. وهذا ما أوردته صحيفة «إل باييس»، وأكده رئيس الحكومة بيدرو سانشيز بنفسه، ليبدو الخطاب الرسمي الهادئ في تناقض واضح مع ما جرى على الأرض.

سفينة ترسو وفرقاطة تُستبدل.. أي «طبيعي» هذا؟

بحسب الصحيفة، رست سفينة إسبانية تابعة لقوات العمل البحري في سبتة يوم 3 غشت، قبل تعزيز الحضور العسكري بالفرقاطة «سانتا ماريا». وقد حلت محلها لاحقًا الفرقاطة «نافارا» بسبب عطل تقني. وإذا كان كل شيء «طبيعيًا تمامًا»، فلماذا جرى تحريك القطع البحرية الحربية وتناوبها؟ ولماذا لم يُعلن عن ذلك للرأي العام إلا بعد تسريبه إلى الصحافة؟

«توتر استثنائي» و«تواصل سلس».. معادلة لا تستقيم

أقرت المتحدثة باسم الحكومة، إلما سايز، بأن أواخر يوليوز شهدت «توترًا استثنائيًا»، قبل أن تؤكد، في الوقت نفسه تقريبًا، أن التواصل بين مدريد والرباط ظل «سلسًا ومتواصلًا». وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف يكون التوتر استثنائيًا والتواصل سلسًا في آن واحد؟ إما أن وصف التوتر مبالغ فيه، وإما أن الحديث عن سلاسة التواصل ليس سوى تعبير دبلوماسي لتلطيف الصورة، ما يستدعي توضيحًا رسميًا يضع الرأي العام أمام حقيقة ما جرى.

بروكسل تتفرج.. وتوزع الألقاب

أما المفوضية الأوروبية، فاختارت موقفًا حذرًا، إذ أحالت توضيح ملابسات الواقعة على «السلطات الإسبانية والمغربية»، قبل أن تؤكد مكانة الرباط بوصفها «شريكًا استراتيجيًا»، مع التذكير في الوقت نفسه بأن سبتة ومليلية «جزء من الحدود الخارجية» للاتحاد الأوروبي. فهل تدافع أوروبا عن حدودها أم تكتفي بالإشادة بالتعاون مع الطرف الذي يسهم في إعادة قبول المهاجرين؟ سؤال لم تجب عنه بروكسل، التي لم تقدم تفاصيل إضافية بشأن دخول السفن الحربية، ولا بشأن موقفها لو جرت الواقعة في سياق مختلف.

القضاء يتدخل حيث تعجز السياسة

في ظل الاكتفاء بتفسير حكومي مقتضب، انتقل الملف إلى المسار القضائي. فقد طلبت «هيئة الادعاء الشعبي»، التي يقودها حزب «إيوستيتيا أوروبا»، من قاضية التحقيق فتح تحقيق في دخول السفن المغربية إلى مياه سبتة، ملتمسة الاطلاع على سجلات البحرية الإسبانية والحرس المدني، والمراسلات الدبلوماسية، وتقارير الاستخبارات. وتعكس هذه المطالب أن الرواية الرسمية لم تُقنع جميع الأطراف، وأن القضية تتجاوز حدود وصفها بأنها «حادث ظرفي».

أمن الدولة على الطاولة.. والحزب الشعبي يلتحق

ولا يقتصر الطلب على التقصي، إذ استند مقدموه إلى مقتضيات في القانون الجنائي الإسباني تتعلق بأفعال قد تعرّض الأمن الخارجي للدولة للخطر أو تؤدي إلى نزاع مع دولة أجنبية. كما أعلن الحزب الشعبي انضمامه إلى المبادرة، وتقديم طلبات تحقيق إضافية في القضية المعروضة أمام المحكمة الوطنية. وهنا يبرز سؤال مشروع: هل يتعلق الأمر بمحاولة لكشف الحقيقة، أم بتوظيف سياسي لملف حساس في مواجهة الحكومة الإسبانية؟

أسئلة معلقة بين الحرس المدني والبحرية

تسعى التحقيقات المطلوبة إلى تحديد ما إذا كان الحرس المدني قد رصد السفن المغربية، ومتى علم بوجودها، وما الإجراءات التي اتخذها، والجهات المدنية والعسكرية التي أُبلغت بالواقعة. وهي أسئلة تبدو إجرائية في ظاهرها، لكن الإجابة عنها قد تكشف ما إذا كان ما جرى ظرفيًا بالفعل، أم أن الصمت الرسمي أخفى ارتباكًا في سلسلة اتخاذ القرار، بينما اكتفت الحكومة بطمأنة الرأي العام بتصريحات مقتضبة.

المقال التالي