حقيبة الطاقة في مهب التكنوقراط.. هل تحسم خيارات الحكومة الجديدة بعيدا عن صناديق الاقتراع؟

تتحدث الأنباء عن مشاورات لتشكيل الحكومة الجديدة، لكن ما يصل إلى الرأي العام بشأن أحد أثقل القطاعات الاقتصادية في المملكة لا يتجاوز تسريبات تنقلها مصادر مجهولة. ووفق ما كشفته مصادر منصة الطاقة المتخصصة، لم يصدر، حتى اليوم الخميس 15 أكتوبر 2026، أي إعلان رسمي يحسم مصير الحقيبة، بينما يجري تداول الأسماء في الكواليس. فهل يُعقل أن يُحسم مصير وزارة تدير أمن الإمدادات الطاقية بعيدًا عن الأنظار، ثم يُطلب من المواطن الاكتفاء بانتظار النتيجة؟
ثلاثة أسماء.. وأسئلة حول الاختيار السياسي
اللافت في القائمة المتداولة أنها تضم أمينة بنخضرة، ومحمد بن يحيى، وطارق أمزيان مفضال، وهم أسماء ترتبط مساراتها المهنية بتدبير مؤسسات ووكالات عمومية، دون حضور انتخابي مباشر واضح. ويطرح ذلك سؤالًا محرجًا: هل أصبحت وزارة الطاقة مجالًا تُحسم فيه الاختيارات وفق منطق الخبرة التقنية وحدها، بعيدًا عن التنافس السياسي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فمن يتحمل المسؤولية عندما ترتفع الفواتير أو تتعثر المشاريع: الحكومة التي تختار، أم المسؤول الذي يُعيّن، أم المواطن الذي يؤدي الكلفة؟
بنعلي.. هل تكفي حصيلة الولاية لتبرير الاستمرار؟
يُطرح استمرار ليلى بنعلي، التي تولت الوزارة في أكتوبر 2021، ضمن السيناريوهات المتداولة، لكن بقاءها في هذا المنصب لا ينبغي أن يتحول إلى خيار مفترض سلفًا. فالحسم في حقيبة بهذه الحساسية يقتضي تقييم الحصيلة، من تدبير أمن الإمدادات إلى مشاريع الغاز الطبيعي والهيدروجين الأخضر، مرورًا بهدف رفع حصة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52% من القدرة الكهربائية المركبة بحلول عام 2030. والسؤال هنا ليس ما إذا كان استمرار الوزيرة ممكنًا، بل ما إذا كانت الحصيلة والنتائج ستشكل أساس القرار، أم أن حسابات تشكيل الأغلبية ستظل صاحبة الكلمة الأخيرة.
بنخضرة.. عودة الخبرة أم إعادة تدوير الوجوه؟
يعيد اسم أمينة بنخضرة إلى الواجهة تجربة وزارية سابقة، بعدما تولت قطاع الطاقة والمعادن والماء والبيئة بين عامي 2007 و2012، قبل انتقالها إلى إدارة المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن. ولا جدال في أهمية الخبرة المتراكمة داخل قطاع استراتيجي، لكن احتمال عودة اسم سبق أن تولى المسؤولية يفتح نقاشًا حول قدرة الحكومة المقبلة على ضخ كفاءات جديدة في مراكز القرار. فهل يتعلق الأمر بالاستفادة من تجربة سابقة، أم أن دائرة الاختيارات تضيق إلى حد يجعل إعادة تدوير الأسماء أسهل من البحث عن بدائل جديدة؟
الغاز والشمس والرياح.. أي رهان ستختار الحكومة؟
لا يتعلق السباق بالأسماء وحدها، بل أيضًا بالاتجاه الذي ستمنحه الحكومة المقبلة للسياسة الطاقية. فبنخضرة ترتبط تجربتها بملفات التنقيب عن النفط والغاز ومشروع أنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي، فيما يرتبط محمد بن يحيى، مدير الوكالة المغربية للنجاعة الطاقية منذ مايو 2023، بملفات ترشيد الاستهلاك وخفض فاتورة الواردات. أما طارق أمزيان مفضال، الذي يقود وكالة «مازن» منذ يونيو 2024، فيمتلك خبرة في مشاريع الطاقة الشمسية والريحية بعد مسار مهني في «توتال إنرجي». وبين هذه المسارات، يصبح اختيار الوزير مؤشرًا مهمًا على الأولويات التي ستتصدر المرحلة المقبلة: تأمين مصادر الطاقة، أم تقليص الاستهلاك، أم تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة.
المؤسسات الكبرى.. من يملك القرار ومن يتحمل المسؤولية؟
تتجاوز الأسئلة المطروحة هوية الوزير إلى طبيعة السلطة التي يملكها داخل قطاع تتوزع ملفاته بين الوزارة ومؤسسات ووكالات متخصصة. فإذا كان المرشحون المحتملون ينتمون إلى قلب هذه المنظومة، فهل ستمنحهم الحكومة هامشًا سياسيًا واضحًا لقيادة القطاع وتحديد أولوياته، أم ستظل القرارات موزعة بين مؤسسات متعددة بما يصعّب تحديد المسؤوليات؟ إن خطورة الأمر تكمن في أن تعدد المتدخلين لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتبديد المحاسبة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بملفات تمس أمن الإمدادات وكلفة الطاقة والاستثمارات الكبرى.
معايير الاختيار.. امتحان مبكر للحكومة الجديدة
يواجه قطاع الطاقة تحديات لا تحتمل الارتجال، من تعزيز أمن الإمدادات إلى تطوير البنية التحتية للغاز الطبيعي واستقطاب الاستثمارات وتسريع الانتقال الطاقي. ومن حق المغاربة معرفة المعايير التي ستحدد هوية الوزير المقبل، والبرنامج الذي سيُطلب منه تنفيذه، وكيف ستُقاس نتائج عمله. فهل ستتقدم الكفاءة والقدرة على الإنجاز، أم ستفرض حسابات التوازنات السياسية وإعادة توزيع النفوذ نفسها؟ وإلى حين صدور إعلان رسمي، تظل الأسماء المتداولة، إلى جانب احتمال استمرار ليلى بنعلي، مجرد سيناريوهات غير محسومة، بينما يبقى الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت الحكومة المقبلة ستقدم سياسة طاقية واضحة، بمسؤوليات محددة ونتائج قابلة للمحاسبة.
الكلمات المفتاحية:

تعليقات