آخر الأخبار

المحروقات تلتهب والقانون نائم.. لماذا لا تفعل الأدوات التي بين يدي الحكومة؟

سؤال محرج يفرض نفسه على الحكومة المقبلة: لماذا تظل نصوص قانونية جاهزة حبيسة الرفوف، فيما تثقل أسعار المحروقات كاهل الأسر؟ فمع تزايد الأعباء المعيشية، تتعالى المطالب باتخاذ تدابير عملية لحماية القدرة الشرائية، وتشديد مراقبة الأسعار، وضمان الشفافية في سوق المحروقات، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة على الأسر محدودة الدخل.

الأزمة الدولية ليست «شماعة» تُعلَّق عليها كل الزيادات

لا يمكن إنكار تأثير الأزمات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد وتقلبات أسعار النفط والمنتجات المكررة في السوق الوطنية. غير أن الاعتراف بهذه العوامل لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للتقاعس، أو مبرر لتأجيل التدابير الداخلية القادرة على حماية المستهلك والحد من انعكاسات الصدمات الدولية على جيوب المغاربة. فإذا كانت الأسواق العالمية خارجة عن السيطرة، فما الذي يمنع التحكم في ما يجري داخل الحدود؟

ترسانة قانونية موجودة.. فأين المستهلك من نتائجها؟

تتوفر الحكومة على مجموعة من الأدوات القانونية التي يمكن الاستناد إليها لمواجهة اختلالات السوق، وفي مقدمتها المادة الرابعة من القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة. وتتيح هذه المادة اتخاذ تدابير مؤقتة لمواجهة الارتفاعات أو الانخفاضات المفرطة في الأسعار، وفق الشروط والإجراءات المنصوص عليها قانونًا، وبعد استشارة مجلس المنافسة. كما يبرز القانون رقم 31.08 المتعلق بحماية المستهلك باعتباره إطارًا قانونيًا لضمان المصالح الاقتصادية للمستهلك وحقه في الحصول على المعلومات الضرورية لاتخاذ قراراته. والسؤال الذي يفرض نفسه: ما جدوى نصوص تحمي المستهلك على الورق، إذا لم يلمس أثرها عند محطة الوقود؟

حين تهبط الأسعار عالميًا.. هل يصل الفرق إلى جيب المواطن؟

لا تقتصر المطالب على التتبع المنتظم لأسعار المحروقات، بل تشمل أيضًا توضيح كيفية انتقال التغيرات التي تشهدها الأسواق الدولية، وتقلبات أسعار المنتجات المكررة وسعر صرف الدولار، إلى السوق المغربية. كما تبرز ضرورة التحقق من مدى انعكاس الانخفاضات المسجلة دوليًا على أسعار البيع للمستهلك، من حيث سرعة الاستجابة وحجم التخفيضات. ورغم أن السعر النهائي يتأثر بتكاليف الاستيراد والتخزين والتوزيع والضرائب، فإن الغموض بشأن هوامش الاستيراد والتوزيع والتسويق يطرح تساؤلات حول مستوى الشفافية في تحديد الأسعار، وما يؤديه المواطن عند كل تعبئة.

القرى والمناطق النائية.. مواطنون يؤدون الفاتورة مرتين

يبدو الوضع أكثر قسوة في العالم القروي والمناطق النائية، حيث يعتمد السكان على وسائل النقل المتاحة للوصول إلى المستشفيات والأسواق والمؤسسات التعليمية والإدارات. وبما أن البدائل محدودة في عدد من المناطق، فإن كل زيادة في تكاليف التنقل تتحول إلى عبء مضاعف على أسر لا تملك خيارات كثيرة. فهي تدفع ثمن الغلاء كما يدفعه غيرها، ثم تتحمل كلفة إضافية بسبب البعد عن الخدمات الأساسية، في ظل محدودية حلول النقل العمومي وشبه العمومي في بعض المناطق.

دعم مهنيي النقل.. هل يصل أثره إلى المواطن؟

تطرح فعالية التدابير المعتمدة لدعم مهنيي النقل تساؤلات بشأن مدى مساهمتها في ضمان استمرارية الخدمات والتحكم في تكاليفها، مع مراعاة الأوضاع الاجتماعية للسائقين الذين يعتمدون على دخل يومي. كما تبرز الحاجة إلى تقييم أثر هذا الدعم وتوجيهه بفعالية أكبر، بما يراعي أوضاع المهنيين ومصلحة المستهلك معًا. وهنا يبرز سؤال مشروع: هل يترجم الدعم فعلًا إلى تكاليف أقل وخدمات أكثر استقرارًا، أم يظل أثره غير واضح بالنسبة إلى المواطن؟

الحكومة المقبلة أمام اختبار مبكر

تواجه الحكومة المقبلة مسؤولية اعتماد مقاربة متكاملة تجمع بين دراسة تفعيل التدابير المؤقتة عند توافر شروطها القانونية، وتعزيز مراقبة سوق المحروقات، ونشر المعطيات الضرورية لترسيخ الشفافية، إلى جانب وضع برامج مستدامة لتحسين النقل العمومي وشبه العمومي في المناطق القروية والنائية. فحماية القدرة الشرائية مسؤولية تتطلب قرارات واضحة وتنسيقًا بين القطاعات المعنية، ولا يمكن أن تظل مواجهة الأزمات العالمية مقتصرة على إجراءات ظرفية. والاختبار هنا مبكر وصريح: إما حلول مستدامة توازن بين مصالح المهنيين وحقوق المستهلكين، وإما استمرار الانتظار، فيما يظل المواطن أول من يدفع ثمن التأخر في اتخاذ القرار.

المقال التالي