آخر الأخبار

سبتة ومليلية المحتلتين منذ 1415.. القصة الكاملة للصراع التاريخي بين المغرب وإسبانيا

أعادت الزيارة التي يقوم بها العاهل الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة المحتلة ومليلية المحتلة، يومي 13 و14 أكتوبر 2026، قضية السيادة على المدينتين الواقعتين شمال المغرب إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي، في خطوة أثارت انتقادات وُصفت فيها الزيارة بأنها استفزازية بالنسبة إلى المغرب، بالنظر إلى استمرار المطالب المغربية باسترجاع المدينتين، وما تحمله الزيارات الملكية الإسبانية إليهما من رسائل تتجاوز طابعها البروتوكولي.

وتأتي هذه الزيارة، التي تعد الأولى من نوعها لفيليبي السادس إلى المدينتين منذ اعتلائه العرش سنة 2014، في سياق إقليمي ودبلوماسي حساس، تتداخل فيه الاعتبارات التاريخية مع حسابات السيادة والأمن والهجرة والمصالح الاقتصادية. وبينما تقدم مدريد الزيارة باعتبارها تأكيداً لارتباط المدينتين بالدولة الإسبانية، ينظر إليها منتقدو استمرار الوجود الإسباني في شمال المغرب باعتبارها تكريساً لوضع تاريخي يرفض المغرب التسليم بنهائيته.

ووفق تقارير إعلامية إسبانية، حذر خبراء في العلاقات الدولية من أن الزيارة قد تزيد من حدة التوتر بين البلدين، فيما اعتبرتها أصوات إعلامية مغربية خطوة غير ملائمة دبلوماسياً، خصوصاً في ظل حساسية الملف الترابي. وفي المقابل، لم يصدر عن السلطات المغربية، قبيل الزيارة، موقف رسمي مباشر يدينها، وهو ما يعكس قدراً من الحذر في تدبير الخلاف، تفادياً لتداعيات قد تمس العلاقات الثنائية.

لا يمكن فهم النزاع حول سبتة المحتلة ومليلية المحتلة من دون العودة إلى التحولات التاريخية التي عرفها شمال المغرب، حين تحولت السواحل المقابلة لشبه الجزيرة الإيبيرية إلى مجال للتنافس بين القوى الأوروبية الساعية إلى توسيع نفوذها التجاري والعسكري في غرب البحر الأبيض المتوسط.

وتعود إحدى أبرز المحطات إلى سنة 1415، عندما استولت البرتغال على سبتة، في إطار توسعها البحري والعسكري خارج شبه الجزيرة الإيبيرية. وبعد اتحاد التاجين البرتغالي والإسباني سنة 1580، أصبحت المدينة مرتبطة بالتاج الإسباني، واستمر ارتباطها بإسبانيا عقب استعادة البرتغال استقلالها سنة 1640، قبل أن تؤكد معاهدة لشبونة سنة 1668 استمرار وضعها تحت السيادة الإسبانية.

أما مليلية، فقد دخلتها قوات تابعة للتاج القشتالي سنة 1497، في سياق التوسع الأوروبي على السواحل الشمالية لإفريقيا، لتتحول تدريجياً إلى موقع عسكري محصن ومركز للوجود الإسباني في المنطقة.

ومن منظور الرواية المغربية، تمثل هاتان المحطتان بداية مسار تاريخي من التوسع الأوروبي في المجال الجغرافي للمغرب، وهو ما يفسر استمرار المطالب المغربية باسترجاع المدينتين.

شكل استقلال المغرب سنة 1956 منعطفاً تاريخياً أنهى نظام الحماية الفرنسية والإسبانية، وأعاد للدولة المغربية استقلالها وسيادتها على أراضيها. لكن هذا التحول لم يؤد إلى انتهاء الوجود الإسباني في سبتة المحتلة ومليلية المحتلة، اللتين ظلتا خاضعتين للإدارة الإسبانية خارج نطاق المناطق التي شملها إنهاء الحماية.

ومنذ الاستقلال، ظل ملف المدينتين جزءاً من النقاش المتعلق باستكمال الوحدة الترابية للمملكة، إذ استند المغرب إلى اعتبارات تاريخية وجغرافية وسياسية في المطالبة باسترجاعهما، بينما تمسكت إسبانيا باعتبارهما جزءاً من أراضيها.

وفي أكتوبر 1961، تحرك المغرب داخل الأمم المتحدة لإثارة قضية المدينتين في سياق تصفية الاستعمار، كما واصل لاحقاً طرح الملف في المحافل الدولية. وفي سنة 1975، سعت الرباط إلى إدراج سبتة المحتلة ومليلية المحتلة ومواقع أخرى على الساحل الشمالي للمغرب ضمن النقاش الأممي المتعلق بالأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، غير أن المسعى لم يفض إلى إدراجهما ضمن القائمة الأممية المعنية.

وتكشف هذه المحطات عن اختلاف جوهري بين الروايتين المغربية والإسبانية: فالمغرب يركز على الجذور التاريخية والجغرافية للمدينتين ومطلب استكمال وحدته الترابية، بينما تستند مدريد إلى استمرارية إدارتها لهما وإلى وضعهما القانوني والسياسي الحالي.

لم تكن زيارة فيليبي السادس في أكتوبر 2026 الأولى التي تثير جدلاً سياسياً بشأن الوجود الإسباني في المدينتين. ففي نونبر 2007، أثارت زيارة الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول والملكة صوفيا إلى سبتة المحتلة ومليلية المحتلة احتجاجاً مغربياً رسمياً، واعتبرتها الرباط آنذاك خطوة غير ملائمة ومخالفة للمشاعر الوطنية للمغاربة.

وترافقت تلك الأزمة مع استدعاء المغرب سفيره في مدريد، في إشارة إلى حجم الاعتراض الرسمي على الزيارة وما اعتبرته المملكة مساساً بموقفها من المدينتين.

وتعيد الزيارة الحالية إلى الأذهان تلك السابقة، وإن اختلفت الظروف الدبلوماسية والسياسية بين المرحلتين. ففي سنة 2007، كان الرد المغربي أكثر وضوحاً من الناحية الرسمية، بينما اتسم التعامل مع زيارة أكتوبر 2026 بقدر أكبر من التحفظ، وفق ما أوردته تقارير إعلامية إسبانية.

ويطرح هذا التباين سؤالاً حول كيفية الجمع بين التمسك بالمطالب الترابية والمحافظة على قنوات التواصل مع مدريد، خصوصاً في ظل المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة بين البلدين.

تظل أزمة جزيرة ليلى، المعروفة في إسبانيا باسم جزيرة بيرخيل، من أبرز محطات التوتر في العلاقات المغربية الإسبانية خلال العقود الأخيرة.

ففي يوليوز 2002، أدى انتشار عناصر مغربية في الجزيرة إلى مواجهة دبلوماسية وعسكرية محدودة، بعدما اعتبرت إسبانيا الخطوة مساساً بموقفها من الجزيرة. وتدخلت وساطة أمريكية لاحتواء الأزمة وإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل اندلاع المواجهة.

وكشفت تلك الأحداث أن الخلافات الترابية قادرة على تجاوز التصريحات السياسية إلى مواجهات ميدانية، حتى بين دولتين ترتبطان بمصالح اقتصادية وأمنية متشابكة.

كما أظهرت الأزمة أهمية الوساطة الدولية والاتصال الدبلوماسي في منع النزاعات من التحول إلى قطيعة طويلة الأمد، وهي دروس لا تزال ذات صلة بالملفات العالقة بين الرباط ومدريد.

عرفت العلاقات المغربية الإسبانية أزمة حادة سنة 2021، على خلفية دخول زعيم جبهة البوليساريو الانفصالية إبراهيم غالي إلى إسبانيا لتلقي العلاج، وما أعقب ذلك من توتر سياسي ودبلوماسي، تزامن مع تدفق آلاف المهاجرين إلى سبتة المحتلة.

وبعد أشهر من التوتر، أعلنت الحكومة الإسبانية في مارس 2022 دعمها المقترح المغربي للحكم الذاتي في الصحراء المغربية باعتباره الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لحل النزاع، وفق الصيغة التي اعتمدتها مدريد في موقفها المعلن آنذاك.

وشكل هذا التحول محطة مهمة في العلاقات الثنائية، ومهّد لاستئناف التعاون في مجالات متعددة، من بينها الأمن والهجرة والتجارة. لكنه لم يؤد إلى تسوية قضية سبتة المحتلة ومليلية المحتلة، التي ظلت خارج أي اتفاق معلن لحل الخلاف حول السيادة.

ويؤكد استمرار هذا الملف أن التقارب الدبلوماسي بين البلدين، مهما بلغت أهميته، لا يعني بالضرورة زوال القضايا التاريخية والترابية العالقة، ولا يثبت وجود اتفاق بشأنها ما لم يصدر إعلان رسمي واضح.

تنبع الانتقادات الموجهة إلى الزيارة من كونها لا تُقرأ داخل المغرب باعتبارها مجرد نشاط ملكي اعتيادي، بل باعتبارها تأكيداً علنياً للموقف الإسباني من السيادة على مدينتين يطالب المغرب باسترجاعهما.

وقد نقلت وسائل إعلام إسبانية عن خبراء في العلاقات الدولية توقعهم أن تؤدي الزيارة إلى زيادة التوتر مع المغرب، فيما وصفتها أصوات إعلامية مغربية بأنها خطوة استفزازية وغير ملائمة في سياق العلاقات الثنائية.

لكن الإشكال الأساسي، من وجهة نظر المنتقدين المغاربة، يتمثل في أن تأكيد الموقف الإسباني بهذه الطريقة لا يساهم في فتح نقاش هادئ حول الإرث التاريخي للنزاع، بل يعيد تثبيت واقع ترفض الرباط اعتباره نهاية للمطالبة المغربية.

ومن ثم، فإن الاعتراض على الزيارة لا يتعلق فقط بتوقيتها، بل أيضاً بالرسالة السياسية التي تحملها، ومدى انسجامها مع الخطاب الذي يدعو إلى تطوير علاقات حسن الجوار واحترام المصالح المشتركة.

على الرغم من النزاع حول سبتة المحتلة ومليلية المحتلة، ترتبط الرباط ومدريد بمصالح اقتصادية وأمنية واسعة، تشمل التجارة والاستثمار ومكافحة شبكات التهريب والهجرة غير النظامية والتنسيق بشأن قضايا إقليمية.

وتستفيد إسبانيا من التعاون مع المغرب في تدبير الحدود والتحديات الأمنية في غرب البحر الأبيض المتوسط، بينما يشكل السوق الإسباني شريكاً اقتصادياً مهماً للمملكة، إلى جانب الروابط الإنسانية والاجتماعية التي تجمع سكان ضفتي المضيق.

غير أن هذه المصالح لا تلغي التباين في المواقف بشأن المدينتين. فالتعاون العملي في الملفات اليومية لا يساوي اتفاقاً سياسياً على السيادة، كما أن استمرار الخلاف لا يعني بالضرورة أن البلدين عاجزان عن الحفاظ على علاقات دبلوماسية واقتصادية مستقرة.

ويظل التحدي أمام الطرفين هو تدبير الاختلافات التاريخية والترابية دون تحويلها إلى أزمات متكررة تهدد التعاون في الملفات التي تخدم مصالح شعبي البلدين.

تعيد زيارة العاهل الإسباني فتح النقاش حول واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية، حيث تتقاطع الذاكرة التاريخية مع المطالب الترابية والمصالح الاستراتيجية. فبالنسبة إلى المغرب، يظل استرجاع سبتة المحتلة ومليلية المحتلة مطلباً مرتبطاً بقراءة تاريخية وجغرافية للوحدة الترابية للمملكة، بينما تتمسك إسبانيا بموقفها الرافض لأي تغيير في وضع المدينتين.

وبين هذين الموقفين، يبقى مستقبل الملف رهيناً بالتطورات السياسية والدبلوماسية وبقدرة البلدين على تدبير الخلافات دون التفريط في مصالحهما المشتركة. أما الزيارات الملكية الإسبانية، فرغم طابعها المؤسساتي من وجهة نظر مدريد، فإنها تظل محملة بدلالات سياسية تتجاوز البروتوكول، ما يجعلها عرضة لردود فعل مغربية كلما تزامنت مع مرحلة حساسة من العلاقات الثنائية.

وبعد أكثر من ستة قرون على سقوط سبتة في يد البرتغال، وأكثر من خمسة قرون على دخول القوات القشتالية إلى مليلية، لا يزال التاريخ حاضرا في النقاش السياسي بين الرباط ومدريد. وبينما يستمر التعاون في الاقتصاد والأمن والهجرة، يبقى ملف المدينتين اختبارا حقيقيا لقدرة البلدين على إدارة خلاف تاريخي لم يصل بعد إلى تسوية متوافق عليها.

تحالف اليسار يدين زيارة ملك إسبانيا إلى سبتة ومليلية وينتقد صمت الحكومة المغربية

من سبتة إلى الرباط.. فيليبي السادس يخلط أوراق الجوار بـ«رسائل مسمومة» عن السيادة والهجرة

مليلية المحتلة تحت أقدام فيليبي السادس: استعراض استعماري يشعل الغضب وصمت دبلوماسي مغربي يطرح التساؤلات

المقال التالي