آخر الأخبار

من سبتة إلى الرباط.. فيليبي السادس يخلط أوراق الجوار بـ«رسائل مسمومة» عن السيادة والهجرة

في زمن الخطابات الجاهزة لكل مقام، اختار العاهل الإسباني فيليبي السادس أن يحل بسبتة المحتلة خلال زيارة وُصفت بالاستثنائية، ليلقي كلمة تصلح للاستهلاك المحلي والتصدير الدبلوماسي معًا. فقد تمسك بالسيادة الوطنية بنبرة حاسمة، ودعا إلى إعادة المهاجرين غير النظاميين إلى بلدانهم الأصلية، ثم التفت إلى الرباط ليؤكد أن اليد ما تزال ممدودة، وأن علاقات الجوار قائمة على الاحترام المتبادل. وهو إنجاز بلاغي يستحق التنويه: أن تقبض بيد وتصَافح بالأخرى، من دون أن تسقط منك الكلمة.

المهاجرون في خطاب سبتة: العودة أولًا، أما الكرامة فتأتي مرافقة

بحسب وكالة الأنباء الإسبانية الرسمية «EFE»، ألقى الملك كلمته أمام نحو 300 شخصية من أعيان المدينة وممثليها، في ختام جولة ميدانية مكثفة، وقال إن «من دخلوا بطريقة غير نظامية يجب أن يعودوا إلى بلدانهم الأصلية، كقاعدة مبدئية، وفي أقرب وقت». ولأن الإنسانية لا تُنسى في مثل هذه المناسبات، أضاف أن معاملتهم يجب أن تتم بإنسانية، وبما يحفظ كرامتهم وفقًا للمقتضيات القانونية. وهكذا، يحصل المهاجر على وعد بالكرامة، شريطة أن ترافقه في رحلة العودة.

سيادة «غير قابلة للتفاوض»: حوار مفتوح بشرط ألا يُفتح هذا الموضوع

ولأن الحزم لا يكتمل من دون جملة قاطعة، حذر الملك من أن «سيادة إسبانيا وسلامة أراضيها غير قابلتين للتفاوض أو النقاش». وهي صياغة نادرة في اقتصادها: ملف مغلق، ومفتاحه غير موجود، والنقاش فيه ممنوع مسبقًا. ثم جاءت النبرة المشددة لتضيف أن «أي تهديد لسبتة هو تهديد للاتحاد الأوروبي»، فتحولت المدينة، بقدرة قادر، من قضية ثنائية إلى شأن قاري يستدعي حشد بروكسل بكاملها.

اليد الممدودة: تصافح بحرارة، لكن من فوق خط أحمر

وحتى لا يُفهم الحزم على أنه قطيعة، أبرز الخطاب وجه مدريد الودود، القائم على إبقاء قنوات الجوار مفتوحة مع المغرب. فأكد الملك أن إسبانيا والاتحاد الأوروبي يتحملان مسؤولية، وتحدوهما رغبة أكيدة في بناء «علاقات جوار مثمرة ومجدية للجانبين»، مشددًا على أن هذه العلاقات تقوم على «حسن النية، والثقة المتبادلة، والهدف المشترك المتمثل في حماية السلام والاستقرار الإقليمي». ويبقى السؤال الذي قد يطرحه القارئ بابتسامة خفيفة: كيف تُبنى ثقة متبادلة على أرض أُعلن، قبل جملتين، أنها خارج دائرة النقاش؟

توزيع الأدوار: ربح مضمون في السوقين

يشبه هذا التوازن مطبخًا سياسيًا محكم الإعداد، فيه طبق للداخل الإسباني وآخر للجار الجنوبي. الأول مطمئن إلى ثوابته السيادية، والثاني يتلقى إشارات تؤكد استمرار علاقات الجوار، وكلاهما قد يغادر المائدة بانطباع إيجابي. أما مدريد، فتسعى إلى تحقيق مكسب مزدوج: ترسيخ صورة الحزم أمام جمهورها، والإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة مع شريك لا غنى عنه، من دون تقديم تنازلات سياسية واضحة لأي من الطرفين. إنها صفقة لا تتحقق كل يوم، ولا تصلح بالضرورة لكل سوق.

مليلية على الجدول: جولة بنكهة رمزية

ولأن الرسائل لا تكتمل بمدينة واحدة، سيتوجه الملك، رفقة الملكة ليتيزيا، إلى مليلية، في أول زيارة من نوعها منذ اعتلائه العرش سنة 2014. وكأن الجدول الرسمي قرر أن يستكمل المعنى الذي بدأته سبتة: فالحضور السيادي لا يُعلن بكلمة واحدة، بل قد يتجسد أيضًا في جولة ميدانية كاملة. ويحق للمتابعين أن يتساءلوا عما إذا كان الأمر مجرد إجراء بروتوكولي أم أن الصدف، في السياسة، تُرتب أحيانًا بعناية.

شعرة معاوية: علاقة تتدلى من خيط المصالح

يعكس هذا التوازن رغبة مؤسساتية في طمأنة الداخل الإسباني وتأكيد الثوابت السيادية، من دون المجازفة بقطع شعرة معاوية مع الجار المغربي، أو الانزلاق نحو تصعيد قد يضر بقواعد الشراكة الاستراتيجية والأمنية الممتدة بين البلدين. لكن الشعرة، مهما بلغت متانتها الدبلوماسية، تظل قابلة للانقطاع؛ فكلما اتسعت المسافة بين خطاب يضع السيادة فوق كل نقاش وآخر يعد بالثقة المتبادلة، ازدادت الحاجة إلى يد ثابتة وأعصاب من حديد لدى من يحاول الإمساك بطرفي العلاقة.

المقال التالي