مليلية المحتلة تحت أقدام فيليبي السادس: استعراض استعماري يشعل الغضب وصمت دبلوماسي مغربي يطرح التساؤلات

بخطوة تؤكد إصرار الدوائر الرسمية في مدريد على السباحة عكس التيار وإعادة إنتاج سيناريوهات الاستفزاز الدبلوماسي، حل العاهل الإسباني فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيثيا، اليوم الأربعاء، بمدينة مليلية المحتلة، في محطة ثانية تكرر مشهد الأمس في سبتة. زيارة تأتي لتكشف مرة أخرى عن عجز الجار الشمالي عن التحرر من تركة الحقبة الاستعمارية، متجاهلاً التحولات الشاملة التي شهدتها المنطقة ومتطلبات الجوهرية لبناء شراكة إستراتيجية حقيقية تقوم على الاحترام المتبادل لمشاعر المغاربة وحقوقهم التاريخية والترابية غير القابلة للتصرف.
بين منطق الشراكة ومنطق الاستفزاز
وعوض أن تتعاطى مدريد مع المغرب بمنطق الاحترام المتبادل وتقدير الحقوق التاريخية والتشبث الراسخ للمغاربة بوطنهم وأراضيهم المغتصبة، فضلت المؤسسة الملكية الإسبانية العودة إلى سياسة “الهروب إلى الأمام” وافتعال محطات استعراضية مكشوفة. إن مليلية، مثلها مثل سبتة، هي أجزاء لا تتجزأ من التراب المغربي، وظلت عبر التاريخ شواهد حية على مغربية الأرض رغم تعاقب الاحتلال ومحاولات الطمس الاستعمارية.

تأتي هذه الخطوة الإسبانية لتضرب في العمق مفهوم “حسن الجوار” الذي طالما تغنت به مدريد حين تبحث عن تعاون أمني أو اقتصادي أو استراتيجي حاسم يقدمه المغرب بسخاء لضمان الأمن الإقليمي. لكن حين يتعلق الأمر بحساسيات المغاربة وثوابتهم الوطنية الراسخة، يغيب صوت الحكمة في الجانب الإسباني ليحل محله منطق الاستعراض السياسي الضيق الموجه للاستهلاك الداخلي الإسباني وإرضاء التيارات المتجذرة في عقلية الماضي.
لغز الصمت الدبلوماسي: أين وزارة الخارجية؟
وأمام هذا التطور والتحدي المعلن، يقف الرأي العام الوطني مشدوهاً أمام الصمت المطبق الذي تلتزم به الدبلوماسية المغربية حتى الساعة. وإذا كانت الحسابات السياسية أو تقديرات المصلحة العليا فرضت التريث، فإن حدة الاستفزاز تتجاوز نطاق التعامل الناعم وتستوجب مواقف واضحة لا تقبل التأويل.
فأي رسائل تبعث إلى مدريد عندما يغيب رد الفعل الدبلوماسي الصارم على خطوة تمس بالسيادة الوطنية وتتناقض مع طموحات طي ملفات الماضي الاستعماري؟ هل تعتمد الخارجية منطق “الصمت التكتيكي” لتفريغ الزيارة من محتواها، أم أن الأمر يتطلب موقفا حازما يضع حدا لهذه التجاوزات الكلاسيكية المتكررة؟
أين الأحزاب المغربية؟
التساؤل ذاته، وبشدة أكبر، يتجه نحو المشهد الحزبي والسياسي الوطني؛ فالأحزاب المغربية—أغلبية ومعارضة—تلتزم حتى الآن صمتاً غريباً وغير مبرر. فلماذا تستمر هذه التنظيمات في الغياب عن واجهة الدفاع الأول عن القضايا المصيرية للأمة؟
أين البيانات التنديدية؟ لماذا لم تبادر الأحزاب الوطنية للتعبير عن رفضها القاطع لهذه الخطوة الاستفزازية وتجسيد النبض الحقيقي للشارع المغربي الذي يعتبر مليلية وسبتة جرحاً استعمارياً لم يلتئم؟
إن البيانات والتنديدات القوية ليست مجرد حبر على ورق، بل هي أدوات ضغط سياسية تشعر الطرف الآخر بأن الخطوط الحمراء للمغاربة ليست مجرد شعارات مرحلية، بل هي عقيدة شعبية وحزبية ووطنية لا تقبل المساومة أو المهادنة.
الجغرافيا والتاريخ لا تنمحيهما الصور
إن تاريخ مليلية المغربية لم ولن تصنعه الزيارات البروتوكولية المرتجلة أو التقاط الصور التذكارية أمام أسوار الاحتلال؛ فالواقع التاريخي والجغرافي يظل ثابتاً لا يزول بقرار من القصر الإسباني أو استعراضات عابرة. إن المغرب بملوكه وشعبه وتاريخه الممتد لقرون يعلم تمام العلم أصول أراضيه، ومطلوب اليوم الوقوف في وجه هذا الاستفزاز المتكرر برؤية سياسية وحزبية صارمة تجعل الجار الشمالي يدرك أن المملكة المغربية لا يمكن أن تقبل بالتعامل المزدوج الذي يطلب الشراكة الأحادية ويستمر في استفزاز الوجدان الوطني.

تعليقات