آخر الأخبار

حظر القاصرين من مواقع التواصل.. هل يحول الاستقلال وعده الانتخابي إلى قانون أم يتركه حبيس الشعارات؟

لم يعد حزب الاستقلال يملك ترف الاكتفاء بالشعارات بعدما أصبح عضوًا في الأغلبية الحكومية، إذ بات اقتراحه منع من هم دون 15 سنة من الولوج إلى مواقع التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية التي يعتبرها خطيرة، إلى جانب منع الهواتف الذكية في التعليم الابتدائي، ينتظر من يحوّله إلى نص قانوني. ويقرّ الحزب بأن مخاطر هذه المنصات تستدعي تدخل السلطات العمومية، ما يجعل وجوده في الحكومة اختبارًا لمدى قدرته على نقل الوعود الانتخابية إلى إجراءات ملموسة.

بين الوعد والتنفيذ مسافة لا يقطعها الخطاب

غير أن الانتقال من البرنامج الانتخابي إلى الجريدة الرسمية يظل رهينًا بالتوجهات الحكومية والإجراءات التشريعية الفعلية. وسبق للنائبة نجوى كوكوس أن وجهت سؤالًا إلى الحكومة في فبراير 2026، دعت فيه إلى التفكير في منع من هم دون 15 سنة من الولوج إلى مواقع التواصل أو تقنين استخدامهم لها بصرامة. ومع استمرار غياب حظر من هذا النوع، يظل السؤال مطروحًا حول ما إذا كان الحزب سيحوّل مقترحه إلى التزام حكومي أم سيكتفي بإبقائه ضمن الشعارات.

فرنسا تحذّر: المنع العام قد يسقط أمام القضاء

تقدم التجربة الفرنسية درسًا مهمًا في هذا المجال؛ فقد اعتمد البرلمان، يوم 21 يوليو 2026، قانونًا لمنع من هم دون 15 سنة من الولوج إلى مواقع التواصل، قبل أن يسقط المجلس الدستوري هذا البند يوم 14 أغسطس، معتبرًا أنه يمس بحرية التعبير والتواصل بصورة غير متناسبة. وصدر القانون يوم 24 أغسطس مع الإبقاء على منع الهواتف المحمولة في الثانويات فقط. أما أستراليا فاختارت منع من هم دون 16 سنة من استخدام بعض المنصات منذ 10 ديسمبر 2025، بينما اتجهت الصين إلى ضبط مدة لعب القاصرين. فهل سيختار المغرب الحظر أم مقاربة قانونية أكثر شمولًا؟

97% من القاصرين على المنصات… والتشريع غائب

وتكشف الأرقام اتساع التحدي؛ فقد ارتفعت نسبة استخدام الأطفال للإنترنت في المغرب من 50,1% سنة 2019 إلى 67% سنة 2024، وفق بحث للوكالة الوطنية لتقنين المواصلات. وأفاد بحث لشركة «كاسبرسكي» سنة 2022 بأن تسعة أطفال من كل عشرة يستخدمون الهواتف الذكية يوميًا، وأن 68% منهم يمتلكون جهازًا خاصًا. كما أظهرت دراسة قُدمت في سبتمبر 2026 أن 44,9% من الأطفال بين 10 و16 سنة لديهم هاتف شخصي، وأن 21,1% من أولياء الأمور أفادوا بأن أطفالهم تعرضوا لحادث على الإنترنت. وأكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سنة 2024 أن أكثر من 97% من القاصرين يستخدمون مواقع التواصل.

دولة تعرف الأرقام وتتأخر عن القانون

ورغم هذه المؤشرات، يرى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن الآليات القانونية القائمة لا تكفي لمواجهة تحديات المنصات الرقمية، رغم مصادقة المغرب على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل وتوفره على إطار قانوني للحماية. كما يشير إلى تشتت المبادرات وضعف التنسيق بينها، في غياب رؤية استراتيجية وطنية مشتركة. وتصف الباحثة غيثة الدركاوي الوضع بأنه «فراغ قانوني حقيقي»، معتبرة أن حماية القاصرين على الإنترنت تحتاج إلى تشريع خاص يواكب حجم استخدامهم للعالم الرقمي.

آباء بلا أدوات ومنصات بلا مساءلة

وفي ظل هذا الفراغ، يواجه الآباء صعوبات في حماية أبنائهم، بسبب محدودية الوعي بالمخاطر وضعف المعرفة بأدوات المراقبة الأبوية. وفي المقابل، تعتمد منصات مثل «تيك توك» و«سناب شات» على إبقاء المستخدمين متصلين لأطول مدة ممكنة. وتقول الدكتورة ثريا الدرهمي، الطبيبة النفسية للأطفال، إن خوارزميات هذه المنصات «صُممت لاستقطاب الانتباه ودفع المستخدمين إلى البقاء متصلين». لذلك، تدعو الدركاوي إلى قانون يُلزم الشركات بالتحقق الموثوق من أعمار المستخدمين، ويؤطر الخوارزميات والإشعارات الليلية، ويوفر للأسر أدوات رقابة فعالة.

المنع وحده لا يحمي… والتشريع الشامل هو الاختبار الحقيقي

لا يبدو الحظر وحده حلًا كافيًا؛ إذ تؤكد الدرهمي أهمية دور الأسرة والمدرسة والتوعية. وتحذر الدركاوي من أن المراهق يستطيع إنشاء حساب مزيف بالكذب بشأن تاريخ ميلاده، ما قد يدفع الحظر الشباب إلى استخدام المنصات سرًا وبعيدًا عن أسرهم. وقد يؤدي ذلك إلى إضعاف قدرة الآباء على مواكبة أبنائهم وتوجيههم. وإذا أراد حزب الاستقلال الوفاء بوعده، فعليه أن يقدم تصورًا تشريعيًا متكاملًا يحدد مسؤولية المنصات، ويؤطر الخوارزميات، ويدعم الأسر، بدل الاكتفاء بشعار قد يصطدم بصعوبات التطبيق والقيود القانونية.

مواضيع ذات صلة

المقال التالي