آخر الأخبار

زواج القاصرات في المغرب.. 2750 طلبا خلال سنة واحدة تفضح الفجوة بين حماية الطفولة وواقع الاستثناء

حين تسجل «اليونيسف» 2750 طلبًا لزواج الأطفال في المغرب خلال سنة 2025، فإن الأمر لا يتعلق بإحصائية عابرة تُطوى مع نشرة الأخبار، بل بمؤشر يسلط الضوء على استمرار ظاهرة تثير مخاوف بشأن حماية الطفولة. فقد حذّرت المنظمة الأممية من استمرار تعرض الفتيات القاصرات لهذه الممارسة، وما يترتب عليها من مخاطر تمس حقوقهن ومستقبلهن، وهو ما يستدعي طرح سؤال مباشر عن مدى فعالية المنظومة التي يُفترض أنها وُضعت لحمايتهن.

استثناء يتمدد حتى يبتلع القاعدة

يقتضي المنطق القانوني أن يبقى الاستثناء استثناءً، أي حالة محدودة تُدرس بعناية ولا تتحول إلى ممارسة متكررة. لكن تسجيل آلاف الطلبات خلال سنة واحدة يدفع إلى التساؤل عما إذا كان الاستثناء قد فقد طابعه المحدود، وأصبح مدخلًا يتيح تجاوز الأصل العام الذي يحدد السن القانوني للزواج. وحين يتكرر اللجوء إلى الاستثناء بهذا الحجم، فإن النقاش لا يعود مقتصرًا على قرارات الأسر وحدها، بل يمتد إلى كيفية تطبيق القانون والضمانات المعتمدة لحماية القاصرات.

فتيات في الواجهة وصمت في الكواليس

شددت «اليونيسف» على أن الفتيات يظلن الأكثر عرضة لزواج الأطفال، مؤكدة أن «مكان الطفل الطبيعي هو المدرسة، وليس بيت الزوجية». إنها عبارة قصيرة تختزل جانبًا من المخاطر التي تطرحها الظاهرة، وتعيد النقاش إلى حق الفتيات في التعليم والنمو في ظروف آمنة. فبين الفصل الدراسي وبيت الزوجية مسافة قد تقطعها الطفلة على حساب طفولتها وفرصها المستقبلية، بينما تستمر المبررات الاجتماعية والاقتصادية في التأثير على قرارات بعض الأسر.

أرقام لا تكذب وفتيات يدفعن الثمن وحدهن

تشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن الفتيات القاصرات يشكّلن الغالبية الساحقة من حالات زواج القاصرين في المغرب، بنسبة بلغت نحو 94.8 في المائة من مجموع هذه الزيجات. وتسلط هذه النسبة الضوء على اختلال واضح في توزيع آثار الظاهرة، إذ تتحمل الفتيات النصيب الأكبر من تبعاتها، بما قد يشمل الانقطاع عن الدراسة وتراجع فرص الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي. وهو ما يجعل القضية تتجاوز حدود الأرقام إلى أسئلة أوسع تتعلق بالمساواة وتكافؤ الفرص وحماية الحقوق.

خطاب الحماية في مواجهة جدار الأرقام

تتكرر الدعوات إلى تعزيز حماية الطفولة في المناسبات والمنابر، غير أن الأرقام المنسوبة إلى «اليونيسف» تضع هذا الخطاب أمام اختبار حقيقي. فالمطلوب ليس الاكتفاء بالتأكيد على أهمية حماية القاصرات، بل ترجمة ذلك إلى إجراءات ملموسة تعالج أسباب الظاهرة، وتعزز مراقبة تطبيق القانون، وتوفر الدعم الاجتماعي والتربوي للأسر الأكثر هشاشة. فالحماية لا تُقاس بقوة الشعارات، وإنما بقدرتها على إحداث تغيير ملموس في الواقع.

حين يُقايَض التعليم بالاستقرار الموعود

تتواصل الدعوات إلى ضمان حق الفتيات في التعليم والنمو في بيئة آمنة، بعيدًا عن الممارسات التي قد تحد من فرصهن في تحقيق الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي. وهنا تكمن المفارقة؛ إذ يُقدَّم الزواج المبكر أحيانًا باعتباره حلًا لبعض المشكلات الأسرية، بينما قد يؤدي إلى تقليص فرص التعلم والعمل والاستقلال. فكل حالة زواج مبكر قد تضع مستقبل فتاة أمام منعطف حاسم، وتطرح تساؤلات بشأن قدرتها على مواصلة الدراسة وتحقيق طموحاتها.

سؤال مفتوح يطرق باب المسؤولية

بين نص قانوني يحدد سن الزواج وواقع يسجل آلاف الطلبات خلال سنة واحدة، يبقى السؤال مطروحًا: من يتحمل مسؤولية اتساع الفجوة بين مقتضيات الحماية والممارسة الفعلية؟ وهل يكفي رصد الظاهرة وتوثيقها دون تقييم فعالية التدابير المتخذة للحد منها؟ إن تسجيل 2750 طلبًا، وفق المعطيات المذكورة، يفرض فتح نقاش جدي حول سبل الحد من زواج القاصرات، وتعزيز حماية الفتيات، وضمان ألا يتحول الاستثناء القانوني إلى مسار يهدد حقوق الطفولة ومستقبلها.

المقال التالي