آخر الأخبار

”برنت” يتجاوز 106 دولارات والمغربي يدفع الفاتورة.. هل حرر المغرب أسعار المحروقات أم حرر جيوب المواطنين؟

حين قفز خام برنت إلى 106.65 دولارًا للبرميل في ختام تعاملات يوم 12 أكتوبر، لم يكن الخبر مجرد رقم على شاشات البورصة، بل جرس إنذار ما زال صداه يتردد اليوم الثلاثاء في محطات الوقود المغربية. فالمواطن الذي سمع، قبل أكثر من عشر سنوات، أن السوق ستنظم نفسها بنفسها، يكتشف اليوم أن «السوق» تعرف جيدًا كيف تصعد بسرعة الصاروخ، بينما تنخفض بخطوات السلحفاة.

تحرير الأسعار: وعد المنافسة الذي لم يصل إلى المضخة

منذ تحرير أسعار المحروقات في نهاية عام 2015، رُوّج للقرار باعتباره بوابة للمنافسة والشفافية وخفض الأسعار. لكن التجربة كشفت أن التحرير، في غياب رقابة صارمة، قد يتحول إلى حرية في تحديد هوامش الربح، لا إلى حرية حقيقية في الاختيار. فمع كل ارتفاع في الأسعار العالمية، ترتفع الأسعار في المحطات خلال أيام، بينما قد يستغرق أي تراجع أسابيع قبل أن ينعكس على المستهلك، إن انعكس أصلًا.

ولا يقف الأمر عند حدود الانطباع العام، إذ شهد ملف الأسعار، خلال السنوات الماضية، تحقيقات وغرامات فرضها مجلس المنافسة، ما يعزز التساؤلات بشأن طبيعة المنافسة في القطاع. وكلما ارتفع سعر خام برنت، كما حدث هذا الأسبوع، عاد السؤال القديم إلى الواجهة: هل أنصف تحرير الأسعار المستهلك، أم منح الأفضلية للفاعلين الذين يملكون القدرة على التأثير في سلسلة التوريد؟

«سامير» المتوقفة: حين تتحول الصدمة العالمية إلى ضربة محلية

ويزداد المشهد قتامة حين ننظر إلى الجانب الآخر من المعادلة، حيث توقفت مصفاة «سامير» عن التكرير منذ عام 2015، تاركة المغرب من دون مصفاة عاملة لتكرير النفط. وهكذا أصبح البلد يعتمد على استيراد المنتجات النفطية المكررة، بما يرافق ذلك من تعرّض مباشر لتقلبات الأسواق العالمية، وكلفة الشحن، واضطرابات الممرات البحرية.

وهنا تتضح المفارقة: ففي الوقت الذي تشهد فيه الأسواق توترات وتهديدات للملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز، وترتفع فيه أسعار الديزل عالميًا، يجد المغرب نفسه أمام هامش محدود للحماية الصناعية، في ظل غياب التكرير المحلي. وبذلك، يمكن لأي اضطراب في مضيق هرمز أن ينعكس على كلفة الإمدادات، وصولًا إلى جيوب المواطنين في الدار البيضاء ووجدة وأكادير.

التحرير والإغلاق: وصفة لتضخيم الفاتورة

والأخطر أن تحرير الأسعار وتوقف التكرير اجتمعا في مسار واحد، لتجد السوق المغربية نفسها أكثر عرضة للتقلبات الخارجية، وسط تساؤلات بشأن فعالية الرقابة على الأسعار. وبهذا المعنى، فإن الفاتورة التي يدفعها المغربي ليست انعكاسًا للظروف العالمية وحدها، بل ترتبط أيضًا باختيارات داخلية جعلت السوق أكثر تأثرًا بتقلبات الاستيراد، وأعادت إلى الواجهة الجدل بشأن سرعة انتقال الارتفاعات مقارنة بالتراجعات.

هدنة الطاقة الأوكرانية: خبر سار لمن؟

وفي المقابل، تبرز تطورات دولية تتعلق بجهود وقف استهداف منشآت الطاقة في الحرب الروسية الأوكرانية، إلى جانب تقارير عن صفقات لتوريد كميات كبيرة من الديزل الروسي إلى الأسواق. وقد تبدو هذه التطورات، ظاهريًا، متنفسًا محتملًا للأسعار، غير أن استمرار التوترات وعدم اليقين بشأن صمود أي تهدئة يجعلان من الصعب الجزم بانعكاسها سريعًا على الأسواق العالمية.

ومن هنا يبرز سؤال لاذع: إذا كانت الأسواق العالمية قد تجد متنفسًا من خلال تهدئة مؤقتة، فهل سيكون المغرب من المستفيدين من أي تراجع محتمل في الأسعار، أم سيظل المستهلك ينتظر حتى تنعكس هذه الانخفاضات على أسعار المحروقات في المحطات؟

أين الدولة من معادلة تتحرك فيها الأسعار وتتأخر فيها الرقابة؟

وبين هذا وذاك، تجد الدولة نفسها أمام معادلة معقدة؛ فهي لا تعتمد نظام التسعير الإداري الذي كان معمولًا به قبل التحرير، كما لا تتوفر على مصفاة وطنية عاملة لتكرير النفط، في وقت تتواصل فيه المطالب بإرساء آلية شفافة تتيح للمواطن فهم كيفية احتساب الأسعار. وحين تغيب الشفافية، يصبح كل ارتفاع مدعاة للتساؤل، وكل تراجع مناسبة للمطالبة بتفسير أسباب تأخر انعكاسه على المستهلك.

ولعل أبسط ما يمكن المطالبة به اليوم هو نشر معادلة واضحة لاحتساب أسعار المحروقات، تربط بين السعر العالمي للنفط والمنتجات المكررة، وكلفة الشحن والتأمين والضرائب وهوامش التوزيع، وصولًا إلى السعر النهائي في المحطات. فمن حق المواطن أن يعرف لماذا يدفع هذا الثمن، وكيف تتغير مكوناته، ومتى يمكن أن ينعكس انخفاض الأسعار العالمية على ما يدفعه عند التزود بالوقود.

معركة الاستقلال الطاقي: من يملك أدوات الحماية يخفف كلفة المعيشة

ويبقى الدرس الأعمق أن الأمن الطاقي ليس شعارًا يُرفع في المؤتمرات، بل منظومة متكاملة تشمل قدرات التكرير، ومخزونات استراتيجية كافية، ومصادر متنوعة للإمداد، ورقابة فعالة على السوق. فالدولة التي تعتمد على استيراد المنتجات النفطية المكررة وتترك الأسعار رهينة تقلبات السوق، من دون آليات كافية للشفافية والمراقبة، تجد نفسها أمام غضب المستهلك كلما قفز سعر خام برنت فوق مئة دولار.

المقال التالي