بعد فشل رهانات المشاركة في الحكومة…شوكي يتوعد الأغلبية الجديدة بمعارضة قوية

اصطف حزب التجمع الوطني للأحرار رسمياً في صفوف المعارضة، عقب الإعلان، أمس الاثنين، عن الأغلبية الحكومية الجديدة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، والتي تضم أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، ليجد الحزب نفسه خارج الأغلبية بعد خمس سنوات قضاها على رأس الحكومة.
وبينما أعلن رئيس الحزب، محمد شوكي، أن التجمع الوطني للأحرار سيمارس معارضة «قوية ومسؤولة وبناءة»، تبرز مفارقة سياسية بين هذا الخطاب الجديد وتمسك الحزب بالمشاركة في الحكومة المقبلة حتى آخر لحظة، فضلاً عن مواقف بعض برلمانييه الذين عبروا صراحة عن عدم رؤيتهم لأنفسهم خارج الأغلبية. وهو ما يطرح تساؤلات بشأن طبيعة المعارضة التي سيقدمها الحزب، ومدى استعداده الفعلي لممارسة أدواره الجديدة من خارج دائرة التدبير الحكومي.
شوكي يتعهد بمعارضة قوية ومسؤولة
وفي أولى مواقفه عقب اتضاح معالم الأغلبية الحكومية الجديدة، شدد محمد شوكي على أن حزبه سيواصل أداء أدواره السياسية والمؤسساتية من موقع المعارضة، معتبراً أن هذا التحول يشكل امتداداً طبيعياً للممارسة الديمقراطية، وفرصة لمواصلة الإسهام في الحياة العامة من موقع مختلف، استناداً إلى المكانة التي يمنحها دستور 2011 للمعارضة في البناء الديمقراطي المغربي.
واعتبر رئيس التجمع الوطني للأحرار أن الحزب يتوفر على رصيد مهم من التجربة الحكومية، إلى جانب وزن سياسي وبرلماني وكفاءات راكمت خبرة في تدبير الشأن العام ومواكبة الأوراش الاقتصادية والاجتماعية الكبرى، وهي عناصر يرى أنها ستساعده على ممارسة الرقابة على العمل الحكومي ومناقشة السياسات العمومية بعمق.
وأوضح شوكي أن فريق الحزب البرلماني يضم كفاءات متمرسة في العمل التشريعي والمؤسساتي، ولديها معرفة بالملفات الاقتصادية والاجتماعية والإكراهات المرتبطة بالتدبير الحكومي، مؤكداً أن هذه الخبرة ستشكل أساساً لمساءلة الحكومة الجديدة وتقييم اختياراتها، بالاعتماد على المعطيات والحجج، بعيداً عن الشعارات والمزايدات السياسية.
وشدد المتحدث على أن حزبه لن يتبنى منطق الرفض من أجل الرفض، ولن يتردد في التعبير عن اختلافه مع القرارات الحكومية كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك، مبرزاً أن المعارضة التي يدعو إليها ستقوم على النقد البناء وتقديم المقترحات والبدائل، وليس الاكتفاء بمواجهة الأغلبية سياسياً.
الأحرار تمسكوا بالمشاركة الحكومية حتى آخر لحظة
غير أن إعلان شوكي عن الاستعداد لممارسة معارضة قوية يأتي في سياق سياسي شهد تمسكاً واضحاً من التجمع الوطني للأحرار بخيار المشاركة في الحكومة المقبلة، بعدما فوض المجلس الوطني للحزب، خلال اجتماعه الاستثنائي مطلع أكتوبر الجاري، رئيسه تدبير هذا الخيار وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية.
فالحزب لم يقدم المشاركة الحكومية باعتبارها احتمالاً ثانوياً، بل ظل منفتحاً على الاستمرار داخل الأغلبية، في انتظار مآل المشاورات السياسية وتوزيع مكونات التحالف الجديد. وبدا أن قيادة الأحرار كانت تفضل مواصلة المشاركة في تدبير الشأن الحكومي، قبل أن تحسم تركيبة الأغلبية الجديدة موقع الحزب خارج الحكومة.
ومع الإعلان الرسمي عن التحالف الذي يضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، انتقل التجمع الوطني للأحرار إلى موقع المعارضة، لتبدأ مرحلة جديدة ستفرض عليه إعادة ترتيب خطابه السياسي وأولوياته البرلمانية والتنظيمية.
ويطرح هذا المسار تساؤلاً بشأن مدى استعداد الحزب للتأقلم مع موقعه الجديد، خصوصاً أن المعارضة لم تكن الخيار الذي عبرت عنه بعض قياداته وبرلمانييه خلال المشاورات السابقة، وهو ما يجعل خطاب شوكي الحالي موضوع اختبار أمام الممارسة الفعلية داخل البرلمان.
زينة إدحلي قالت إنها لا ترى نفسها في المعارضة
ومن بين المواقف التي عكست تفضيل بعض مكونات الحزب الاستمرار داخل الأغلبية، تصريح البرلمانية التجمعية زينة إدحلي، التي عبّرت، في سياق النقاش حول مشاركة الحزب في الحكومة الجديدة، عن عدم رؤيتها لنفسها في المعارضة، في موقف تداولته وسائل إعلام مغربية مطلع أكتوبر الجاري.
ويكتسب هذا التصريح أهمية في ضوء التحول الذي عرفه موقع الحزب، إذ إن الانتقال إلى المعارضة لم يكن، وفق المواقف المعلنة آنذاك، الخيار المفضل لدى جميع قياداته وبرلمانييه، بل ظل جزء منهم يراهن على مواصلة المشاركة الحكومية.
ومن هنا تبرز المفارقة بين تصريحات تعبر عن الرغبة في البقاء داخل الأغلبية، وخطاب جديد يتحدث عن معارضة قوية ومسؤولة. فكيف سينتقل الحزب من التمسك بالمشاركة الحكومية إلى ممارسة رقابة صارمة على حكومة لا يشارك فيها؟ وهل ستتحول المعارضة إلى خيار سياسي واضح المعالم، أم ستظل مجرد موقع فرضته حسابات تشكيل الأغلبية الجديدة؟
أسئلة ستجد طريقها إلى النقاش السياسي خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً أن قوة المعارضة لا ترتبط فقط بعدد المقاعد أو الخبرة السابقة في الحكومة، بل كذلك بمدى وضوح مواقفها، وقدرتها على تقديم بدائل واقعية، واستعدادها لمساءلة السياسات العمومية دون تناقض مع مواقفها السابقة.
الحصيلة الحكومية في قلب اختبار المعارضة
ومن أبرز التحديات التي ستواجه التجمع الوطني للأحرار قدرته على التعامل مع حصيلته الحكومية السابقة، بعدما ظل الحزب يدافع عن اختيارات الحكومة التي قادها خلال السنوات الخمس الماضية، ويقدمها باعتبارها جزءاً من برنامجه السياسي والتدبيري.
فوجوده اليوم خارج الأغلبية سيمنحه، من الناحية المؤسساتية، إمكانية ممارسة الرقابة على الحكومة الجديدة، لكنه سيضعه أيضاً أمام ضرورة توضيح موقفه من الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت ضمن مسؤولياته الحكومية، والتمييز بين ما يعتبره منجزات وما قد يرى أنه يحتاج إلى مراجعة أو استكمال.
كما أن الخبرة التي يتحدث عنها شوكي يمكن أن تشكل عنصراً مساعداً في مناقشة مشاريع القوانين والميزانية والسياسات العمومية، غير أن توظيف هذه الخبرة سيظل مرتبطاً بقدرة الحزب على الانتقال من الدفاع عن اختياراته السابقة إلى تقييم السياسات الجديدة وفق معايير واضحة.
وسيكون الرأي العام أمام فرصة لمقارنة الخطاب الذي سيتبناه الأحرار من موقع المعارضة بالمواقف التي دافعوا عنها عندما كانوا في الحكومة، ومدى قدرتهم على تقديم مقترحات عملية تتجاوز الانتقاد السياسي إلى طرح حلول قابلة للنقاش والتنفيذ.
معارضة قوية أم مجرد تأقلم مع واقع جديد؟
أكد شوكي أن المصلحة العليا للوطن ستظل البوصلة التي توجه مواقف التجمع الوطني للأحرار، مشيراً إلى أن الأوراش الوطنية الكبرى لا ينبغي أن تخضع لمنطق الأغلبية والمعارضة، وأن خدمة البلاد تظل مسؤولية مشتركة بين مختلف الفاعلين السياسيين.
ويضع هذا التصور الحزب أمام تحدي إثبات أن انتقاله إلى المعارضة لا يعني الانسحاب من المسؤولية، بل ممارسة أدوار دستورية مختلفة، من خلال مراقبة العمل الحكومي والمساهمة في النقاش التشريعي والدفاع عن البدائل التي يعتبرها مناسبة لمعالجة الإشكالات المطروحة.
لكن بين تمسك الأحرار بالمشاركة الحكومية حتى آخر لحظة، وتصريحات بعض برلمانييهم الذين لم يبدوا رغبة في الانتقال إلى المعارضة، وتعهد شوكي اليوم بممارسة معارضة قوية، تظل الممارسة الفعلية هي المعيار الأساسي لتقييم هذا التحول.
فالحزب أصبح بالفعل في صفوف المعارضة، ولم يعد الأمر مجرد احتمال سياسي أو استعداد للمستقبل. أما طبيعة هذه المعارضة وحدودها، فستتضح من خلال مواقف فريقه البرلماني من مشاريع الحكومة وقراراتها، ومدى قدرته على ممارسة الرقابة وتقديم البدائل، والتعامل مع حصيلته الحكومية السابقة بقدر من الوضوح والانسجام السياسي.

تعليقات