آخر الأخبار

أخنوش يترك لأكادير فاتورة المليار درهم.. أقساط الديون تزاحم مشاريع المدينة في ميزانية 2027

حين أصدرت جماعة أكادير، برئاسة عزيز أخنوش، رئيس الحكومة المنتهية ولايتها، سندات قرض بقيمة مليار درهم في أكتوبر 2022، قُدّمت العملية باعتبارها خطوة مبتكرة لتنويع مصادر التمويل. غير أن معطيات تتوفر عليها «مغرب تايمز» تُظهر أن برمجة ميزانية 2027 تضع هذا الخيار أمام اختبار الحسابات، إذ خُصص مبلغ 170 مليون درهم لسداد أصل القرض وحده، مقابل 108.3 ملايين درهم فقط لاستكمال مشاريع التجهيز المبرمجة.

ديون الأمس تنتزع حصة الأسد من مشاريع الغد

وتبيّن المعطيات ذاتها أن سداد أصل الدين سيستحوذ على نحو 61 في المائة من الغلاف المالي المرصود للتجهيز، المحدد في 278.3 مليون درهم. وهذه النسبة أبلغ من أي خطاب، إذ تعني أن جزءًا كبيرًا من موارد الاستثمار سيُوجَّه إلى الوفاء بالتزامات ترتبت على قرارات اتُّخذت قبل سنوات، بدل تخصيصه لمشاريع تنتظرها الساكنة اليوم. وهكذا، يتحول الدين من أداة للتمويل إلى منافس مباشر للمشاريع على الموارد المالية نفسها.

مليار درهم بين التنمية وترحيل المديونية

ويزداد الملف إثارة للتساؤل عند تفكيك أوجه صرف القرض. فقد خُصص منه 600 مليون درهم لتمويل مساهمة الجماعة في برنامج التنمية الحضرية، فيما وُجّهت 400 مليون درهم لتسديد ديون سابقة لفائدة صندوق التجهيز الجماعي. وهذا يعني أن جزءًا معتبرًا من المبلغ لم يُوجَّه إلى إحداث استثمارات جديدة، بل إلى إعادة ترتيب الالتزامات المالية القائمة. وهنا يفرض السؤال نفسه: هل شكّل القرض رافعة للاستثمار، أم كان وسيلة لإعادة هيكلة المديونية في إطار تمويل قُدّم باعتباره خيارًا تنمويًا؟

فوائد القرض تفتح جبهة أخرى لاستنزاف الميزانية

ولا تتوقف الكلفة عند أصل القرض، إذ وثّقت مراسلة مالية، تتوفر «مغرب تايمز» على معطيات بشأنها وتتعلق باستحقاق سنة 2024، فوائد بقيمة 47.62 مليون درهم، أُضيفت إليها ضريبة بقيمة 4.762 ملايين درهم، ليبلغ المبلغ المستحق آنذاك 52.382 مليون درهم، من دون احتساب أصل الدين. وتذكّر هذه الأرقام بأن كلفة الاقتراض لا تنتهي بمجرد تعبئة الأموال، بل تمتد إلى ميزانيات السنوات اللاحقة، وأن تقييم جدواه يقتضي مقارنة ما أُنجز فعليًا بما ترتب عنه من أعباء مالية.

أخنوش يغادر المشهد الحكومي والتزامات أكادير مستمرة

ومع اقتراب نهاية الولاية الجماعية، في ظل برنامج عمل يغطي الفترة 2022-2027، تتضح ملامح الإرث المالي الذي سيتركه المجلس لخلفه. فقد حُددت الحاجيات الإجمالية للتمويل في 4.38 مليارات درهم، منها 2.7 مليار درهم لتمويل برنامج عمل الجماعة، ومليار درهم للالتزامات المرتبطة ببرنامج التنمية الحضرية، و680 مليون درهم لتسديد قرض السندات. وسيجد المجلس المقبل نفسه أمام مشاريع يتعين استكمالها والتزامات مالية يتعين الوفاء بها، فيما ستظل مطالب الساكنة قائمة، بصرف النظر عمن سيتولى تدبير الشأن المحلي.

الجماعة تتباهى بالمداخيل.. فهل تكفي لمواجهة فاتورة الديون؟

في المقابل، تستند الجماعة إلى أرقام تعتبرها دليلًا على متانة وضعها المالي. فهي تتوقع أن تبلغ مداخيل التسيير 850 مليون درهم سنة 2027، مقابل نفقات تسيير في حدود 571.7 مليون درهم، بفائض تقديري يصل إلى 278.3 مليون درهم. كما تشير معطياتها إلى ارتفاع مداخيل التسيير من 514.6 مليون درهم سنة 2022 إلى 818.4 مليون درهم سنة 2025، مقابل ارتفاع أقل في النفقات خلال الفترة نفسها.

فائض مالي لا يُسكت أسئلة المعارضة

غير أن هذه المؤشرات، على أهميتها، لا تجيب، بحسب مصادر من المعارضة، عن السؤال الجوهري المتعلق ببرمجة الميزانية: لماذا سيُخصَّص 170 مليون درهم من موارد التجهيز لسداد الدين، بينما لن يتجاوز المبلغ المتبقي للمشاريع المدرجة 108.3 ملايين درهم؟ فالفائض التقديري، وفق المصادر ذاتها، لا يعني بالضرورة وجود أموال متاحة للتصرف فيها بحرية، كما أن نمو المداخيل لا يكفي وحده لتقييم التدبير، ما لم يقترن بحصيلة واضحة للمشاريع، ونسب إنجازها، ومدى انعكاسها على الحياة اليومية للسكان.

حصيلة أخنوش في أكادير تحت مجهر الأرقام

في قراءة منتقدي تجربة أخنوش في أكادير، تبرز مفارقة سياسية لافتة بين خطاب يركز على النجاعة والتحول الحضري، والتزامات مالية قد تضغط على هوامش الاستثمار في السنوات المقبلة. وإذا كان النجاح السياسي يُقاس بالمسافة بين الوعود والإنجازات، فإن أرقام ميزانية 2027 تمنح خصومه مادة للنقد، وتجعل سؤال الحصيلة، على مستوى الجماعة كما على مستوى الحكومة، أكثر إلحاحًا من الشعارات. وفي المقابل، يستند أنصاره إلى مؤشرات ارتفاع المداخيل والفائض التقديري للدفاع عن حصيلة التدبير. وبين الروايتين، تبقى الحاجة قائمة إلى تقييم موضوعي يربط الأرقام المالية بحصيلة المشاريع المنجزة وأثرها على الساكنة، فيما تفرض ميزانية 2027 سؤالًا محوريًا: «كم ستكلف هذه التحولات ميزانية المدينة، وكم سيبقى للاستثمار بعد أداء مستحقات القروض؟»

المقال التالي