آخر الأخبار

وراء انتخاب رئيس مجلس النواب وتوزيع اللجان.. صراع حزبي مبكر على مفاتيح التشريع والرقابة

كيف ينتقل مجلس النواب من لحظة الافتتاح الرسمي إلى مرحلة العمل الفعلي؟ يبدأ المسار بورش مؤسساتي دقيق ينطلق مباشرة بعد افتتاح الدورة التشريعية، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، ويشمل انتخاب الرئيس، وتوزيع مقاعد المكتب، وتشكيل اللجان الدائمة. وبينما يحدد الدستور والنظام الداخلي الإطار العام، تظل موازين القوى بين الفرق النيابية عاملاً حاسماً في رسم النتائج النهائية.

كرسي الرئاسة.. اختبار مبكر لقوة الأغلبية وحدود المنافسة

تتمثل المحطة الأولى في انتخاب رئيس المجلس، وهو المنصب الذي يُحسم بالاقتراع السري بين النواب، خلافاً لبقية مقاعد المكتب، التي تُوزَّع على أساس التمثيل النسبي. وينص الفصل 62 من الدستور على انتخاب الرئيس في مستهل الولاية التشريعية، ثم تجديد انتخابه خلال دورة أبريل من السنة الثالثة، لما تبقى من الولاية. وعادة ما يكون مرشح الأغلبية الأوفر حظاً، دون أن يمنع ذلك نواباً آخرين من الترشح، وإن كانت حظوظهم متفاوتة. ويوضح رضا بوكمازي، النائب عن حزب العدالة والتنمية، الذي سبق أن مثّل الحزب بالمجلس بين 2016 و2021 وعاد إليه خلال الولاية التشريعية 2026-2031، هذه الآليات.

قبل حسم الرئاسة.. من يمسك بدفة المجلس في المنطقة الانتقالية؟

قبل حسم هذا الاستحقاق، يتولى مكتب مؤقت تسيير المجلس، ويترأسه نائب يُحدَّد وفق معايير النظام الداخلي، إلى جانب أصغر النواب سناً. ويقتضي الأمر هنا التمييز بين افتتاح الدورة التشريعية، الذي يترأسه الملك طبقاً للفصل 65 من الدستور، وجلسة انتخاب الرئيس، التي يتولى النواب تدبيرها.

كعكة المناصب تحت المجهر.. هل تمنح الأرقام الحزب الأكبر اليد العليا؟

بمجرد انتخاب الرئيس، ينتقل المجلس إلى تشكيل مكتبه، الذي يضم ثمانية نواب للرئيس، ومحاسبَين اثنين، وثلاثة أمناء. ويتولى المحاسبان تدبير الشؤون الإدارية والمالية، فيما يضطلع الأمناء بمهام مرتبطة بالمحاضر وعمليات التصويت. وتُوزَّع هذه المناصب وفق مبدأ التمثيل النسبي، بعد مفاوضات بين الفرق بشأن حصة كل منها. وبحسب بوكمازي، تحظى «المجموعة الأكبر بحق الاختيار أولاً»، ما يمنح حزب الأصالة والمعاصرة، باعتباره صاحب أكبر عدد من المقاعد، موقعاً مريحاً في هذه العملية. غير أن التوازنات قد تتغير إذا اجتمع نواب ضمن فريق واحد وفق شروط النظام الداخلي. ويميز بوكمازي في هذا السياق بين التحالف السياسي والتشكيل القانوني للفريق، إذ لا تترتب على الأول بالضرورة الآثار المؤسساتية نفسها.

اللجان الدائمة.. نفوذ يتجاوز المقاعد وصراع على مفاتيح التشريع

أما اللجان الدائمة، التي يُنجز داخلها جانب مهم من العمل البرلماني، فيبلغ عددها تسع لجان، تضم ثمانٍ منها 44 نائباً لكل لجنة، فيما تتألف التاسعة من 43 نائباً. ولا يجوز للنائب الانتماء إلى أكثر من لجنة واحدة. وتتولى هذه اللجان دراسة مشاريع ومقترحات القوانين قبل عرضها على الجلسة العامة، فضلاً عن الإسهام في مراقبة العمل الحكومي.

وتُوزَّع مقاعد اللجان وفق التمثيل النسبي أيضاً، إذ تختار الفرق ممثليها تباعاً بحسب حجمها العددي. غير أن تصدّر فريق معين لا يمنحه سلطة الحسم المنفرد في جميع التعيينات، إذ يخصص الدستور للمعارضة رئاسة لجنة التشريع، فيما يضمن لها النظام الداخلي لسنة 2025 رئاسة لجنة أخرى على الأقل، مع إعطاء الأولوية للجنة مراقبة المالية العامة والحكامة إذا تقدمت بترشيح. وهكذا تتحول رئاسات اللجان إلى رهان سياسي يتجاوز مجرد توزيع المقاعد، بالنظر إلى دورها في دراسة النصوص ومراقبة العمل الحكومي.

بين رغبة النائب وحسابات الحزب.. من يختار موقعه داخل اللجان؟

على مستوى الفرق النيابية، تأتي مرحلة الاختيار الفردي. ففي حزب العدالة والتنمية، مثلاً، يعبّر النواب أولاً عن رغباتهم، قبل أن يدرسها مكتب الفريق ويقرر بشأنها، إما بالموافقة أو باقتراح بديل يتناسب مع تخصص النائب وملفات اشتغاله. وبذلك، يمكن توجيه صاحب الخبرة القانونية إلى اللجنة الأقرب إلى تخصصه، فيما يفضّل آخرون الاشتغال على القضايا الاجتماعية أو التعليم أو المالية. ويكشف هذا المسار أن توزيع المسؤوليات لا يرتبط بالأرقام وحدها، بل يتأثر أيضاً بأولويات الفرق وتوازناتها الداخلية.

ثلاثة أيام على الورق.. ومفاوضات الأحزاب قد تطيل سباق المناصب

يسير تشكيل هياكل المجلس وفق ترتيب محدد يبدأ بانتخاب الرئيس، ثم تشكيل المكتب، وصولاً إلى انتخاب رؤساء اللجان وأعضاء مكاتبها، في إطار الفصول من 62 إلى 69 من الدستور والنظام الداخلي للمجلس. وتحدد النصوص أجلاً أقصاه ثلاثة أيام لانتخاب أعضاء المكتب بعد انتخاب الرئيس، لكن المفاوضات الحزبية لا تخضع بالضرورة لجدول زمني مماثل، وقد تؤخر استكمال تشكيل الأجهزة. لذلك، لا يعني افتتاح البرلمان انطلاق العمل التشريعي بكامل هياكله، بل يمثل بداية مرحلة تتحول فيها نتائج الاقتراع إلى مسؤوليات ملموسة، وسط مفاوضات قد تكشف حجم التوافق أو حدود الخلاف بين مكونات المجلس.

انتهى سباق المقاعد.. فهل تبدأ معركة التأثير في القرار؟

بعد اكتمال الهياكل واتضاح خريطة الرئاسات واللجان، ينتقل النقاش من سؤال «من يجلس أين؟» إلى سؤال «ماذا سينجز المجلس؟». وستكون الأغلبية أمام اختبار قدرتها على تمرير النصوص التشريعية بإيقاع منتظم، فيما ستُختبر المعارضة في مدى قدرتها على استثمار المواقع التي يتيحها لها الدستور والنظام الداخلي. وبين توزيع المسؤوليات وتدبير الخلافات، ستتحدد خلال الأسابيع الأولى ملامح الأداء التشريعي والرقابي لمجلس النواب خلال الولاية التشريعية 2026-2031، في اختبار لا يقتصر على اقتسام المناصب، بل يمتد إلى قدرة الفرق على تحويل مواقعها داخل المؤسسة إلى تأثير فعلي في القرار البرلماني.

المقال التالي