البرلماني أسامة باريك وحكومة أخنوش: مفارقة الكلفة والنجاعة التي هزمت الملايير

قد يبدو للبعض هذا العنوان أغرب من الغرائب، ويحمل من العجائب ما لا يحمله عقل الأحمق. لكن بالعين الثاقبة، والقليل من التحليل والتشخيص لواقع التدبير في بلادنا، يمكننا أن نجد أكثر من دليل وحافز، للقول بأن اليوتيوبرز أسامة باريك (اسمه الحقيقي عبد العزيز باريك) يحمل برنامجا انتخابيا أفضل حكامة ونجاعة من برنامج حزب الحمامة الذي تراس الحكومة لخمس سنوات الماضية.
بداية من هو أسامة باريك؟
إنه شاب من شباب جبال إملشيل بإقليم ميدلت، حاصل على الإجازة في التاريخ. بحث عن عمل كأغلب الشباب، فلم يجد الباب الذي سيفتح له منزل العيش الكريم. ومما فاقم وضعيته، كونه ينتمي لوسط اجتماعي يجاور دائرة الفقر، وهو ما جعل أمه تخرج هي الأخرى للعمل ببيع الزرابي من أجل لقمة ودراسة أبنائها. والحل الذي وجده أسامة أمام هذه الوضعية الصعبة، هو قناة في وسائل التواصل الاجتماعي.
نجح أسامة في استقطاب طيف كبير من المتابعين، وأصبحت أشرطته تحقق نسبا من المشاهدات تبلغ مئات الآلاف. لم ينجح أسامة في بلوغ العمل الكريم الذي يتمناه ويطمح إليه، لكنه نجح في بناء قناة من أنجح القنوات في الشوسيال ميديا. ويعود هذا النجاح إلى ثلاثة عوامل: أولا الأسلوب النقدي الذي يتسم به أسامة في أشرطته. ثانيا طريقة حديثه المنسجمة مع واقعه الاجتماعي وطبيعة المواضيع التي يتطرق إليها والتي تستأثر باهتمام متابعيه. ثالثا الأماكن البسيطة التي يبث منها أسامة أشرطته، وهي أماكن لا تخرج عن دائرة المنازل الطينية التي يقطنها سكان الجبل.
والآن كيف يحمل أسامة برنامجا انتخابيا متفوقا على البرنامج الانتخابي لحزب أخنوش؟
من المعضلات البنيوية التي تعرقل الانطلاقة التنموية في بلادنا، ضعف الحكامة والاخفاق في النجاعة. المشاريع التي يتم إنجازها، تكلف الميزانية العامة أكثر من التكلفة التي قد يتطلبها نفس المشروع في البلدان المتقدمة. كما أن ضعف النجاعة، تجعل مردودية هذه المشاريع، ضعيفة قياسا لتكلفتها ولمردوديتها في البلدان المتقدمة. على سبيل المثال، نسبة 1% من النمو تخلق حوالي 70 ألف منصب شغل في البلدان التي تتمتع بحكامة جيدة. نفس النسبة في عهد حكومة أخنوش لا تخلق سوى 15 ألف منصب شغل. وهو ما جعل معضلة التشغيل تتفاقم في عهد أخنوش.
أسامة باريك، بصفر درهم، وبالمشي على الأقدام وفوق ظهور الحمير والبهائم، استطاع الفوز بمقعده البرلماني، وباحتلال الرتبة الأولى، متفوقا عن الآخرين الذين صرفو الملايين، واستعملوا إمكانيات لوجستيكية كبيرة. رغم هذا الفرق الشاسع في الإمكانيات، حصل أسامة على 16450 صوتا، بفارق 7236 صوتا عن صاحب الرتبة الثانية، و9537 عن صاحب المقعد الثالث. علما أن مرشح الحمامة لم يفز بمقعد في البرلمان في دائرة أسامة باريك رغم الميزانية الضخمة التي تم إنفاقها.
بهذا الإنجاز، أعطانا أسامة درسا في الحكامة والنجاعة في التدبير.
إذا قمنا بتمرين بسيط يقضي بتحديد تكلفة مقعد برلماني عند حزب الحمامة، وتكلفة المقعد البرلماني الذي حصل عليه أسامة باريك، سنجد فرقا شاسعا. ففي الوقت الذي تتحدث تقارير إعلامية على أن خيمات التجمعات الحزبية التي ينظمها حزب أخنوش، تصل تكلفتها إلى المليار سنتيم، ليحصل برلماني الحزب على 6آلاف أو 7آلاف صوت، مقابل أكثر من 16آلف صوت لأسامة باريك وبدون ميزانية.
إذا كان أسامة باريك فاز بمقعده البرلماني بدون ميزانية، فهذا يعني أن أسامة يحمل طريقة في التدبير والتسيير، يمكنها أن تعالج العطب التدبيري الذي وقعت فيه حكومة أخنوش. فنحن إذا أمام مفارقة تحمل أكثر من درس، وأكثر من استفادة: ميزانيات ثقيلة تحقق بها حكومة أخنوش نتائج ضعيفة، وبميزانية منعدمة فاز أسامة بمقعده البرلماني محتلا الرتبة الأولى.
فهل ستتقدم بلادنا بطريقة تدبير حكومة أخنوش، أم بطريقة أسامة باريك؟
ليس هذا انتقاصا من حكومة أخنوش، وإنما هو يندرج في إطار الاستفادة من الفكر المقاولاتي. فشركة عالمية رائدة في البرمجيات وصناعة الكمبيوتر، كانت تبحث عن معضلة كبيرة تعاني منها الشركة. اجتمع المديرون وكبار المسؤولين للبحث عن حل لهذه المعضلة. استمر الاجتماع إلى وقت متأخر في المساء دون الاهتداء إلى الحل، ودخلت سيدة النظافة لتقوم بعملها المعتاد في نفس الوقت في قاعة الاجتماعات. فسمعت حديثهم وتجرأت إلى تنبيههم لمسألة مرتبطة بعملها، وكانت تلك هي الشرارة التي جعلت المدراء يجدون الحل المبحوث عنه.
هذا هو حال أسامة في عالم السياسة، شبيه لحالة سيدة النظافة في عالم المقاولة.
سعيد الغماز – كاتب وباحث

تعليقات