لأول مرة منذ 1927.. ملك إسبانيا يبيت في سبتة قبل التوجه إلى مليلية: فكيف سيرد المغرب؟

تكتسب زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس والملكة ليتيسيا إلى سبتة ومليلية دلالة تتجاوز طابعها البروتوكولي، خصوصاً مع قرار المبيت في سبتة ليلة 13 أكتوبر، في خطوة توصف بأنها الأولى من نوعها منذ عام 1927. وتعيد هذه الخطوة إلى الواجهة ملف المدينتين اللتين يطالب المغرب باستعادتهما، وتفتح باب التساؤلات بشأن الرسائل السياسية التي قد تحملها الزيارة، في وقت تظل فيه العلاقات بين الرباط ومدريد محكومة بحسابات دبلوماسية ومصالح متشابكة.
وتستند رمزية هذا المبيت إلى خصوصية المرحلة التاريخية التي يأتي فيها، إذ تشير تقارير صحفية إسبانية إلى أن آخر مبيت ملكي مماثل يعود إلى عهد ألفونسو الثالث عشر. وبذلك، لا يتعلق الأمر بمجرد زيارة رسمية لمدينة، بل بخطوة تعيد تأكيد حضور المؤسسة الملكية الإسبانية في سبتة، قبل انتقال الملك والملكة إلى مليلية، وهو ما يجعل أبعاد الزيارة السياسية موضع اهتمام في البلدين.
أزمة الهجرة تضيف أبعاداً جديدة إلى الزيارة
وتأتي هذه الخطوة في سياق شهدت فيه سبتة ضغطاً متزايداً بسبب وصول أعداد كبيرة من المهاجرين خلال الصيف. فقد تحدثت وكالة «رويترز»، في تقرير نشرته يوم 4 أكتوبر، عن عبور أكثر من 72 ألف شخص، فيما أشارت تقديرات السلطات الإسبانية إلى بقاء ما لا يقل عن 10 آلاف شخص في المدينة. وتضع هذه الأرقام الزيارة الملكية في سياق إنساني وأمني حساس، يتجاوز مسألة الحضور الرمزي إلى قضايا تدبير الحدود والتعامل مع تدفقات الهجرة.
وفي هذا الإطار، قد تُقرأ الزيارة باعتبارها رسالة دعم لسكان سبتة ومؤسساتها في مواجهة الضغوط التي شهدتها المدينة، بينما قد يربطها آخرون برغبة القصر الملكي في تأكيد ارتباط المدينتين بالمؤسسات الوطنية الإسبانية. غير أن تحديد المقاصد السياسية للزيارة يظل أمراً يحتاج إلى الحذر، ما دام البرنامج الرسمي المعلن يركز على التواصل مع السكان والمؤسسات المحلية، ولا يقدم بحد ذاته دليلاً قاطعاً على وجود رسالة موجهة إلى المغرب.
برنامج الزيارة يجمع بين الرمزية والتواصل المحلي
ويتضمن برنامج الملك والملكة استقبالاً رسمياً بمقر بلدية سبتة، حيث يتسلمان مفاتيح المدينة، إلى جانب زيارة مدرسة «فيسنتي ألكسندر» العمومية. كما يشمل مراسم تذكارية متعددة الأديان بمقبرة سيدي امبارك الإسلامية، تكريماً لمن لقوا حتفهم في البحر يومي 30 و31 يوليو. وتمنح هذه المحطات الزيارة بعداً اجتماعياً وإنسانياً، في ظل تداعيات أزمة الهجرة التي شهدتها المدينة.
لكن الطابع الإنساني للبرنامج لا يلغي حساسية السياق السياسي الذي تجري فيه الزيارة. فاختيار سبتة محطةً للمبيت، ثم التوجه إلى مليلية، يضع المدينتين في صلب المشهد الرسمي الإسباني، ويعيد طرح السؤال حول انعكاسات هذه الخطوات على العلاقة مع المغرب. وبينما يمكن النظر إلى البرنامج باعتباره نشاطاً ملكياً للتواصل مع المواطنين، فإن توقيته ورمزيته يتيحان أيضاً قراءات سياسية مختلفة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود تصعيد مباشر تجاه الرباط.
سابقة 2007 تعيد المقارنة إلى الواجهة
وتزداد دلالة الزيارة عند مقارنتها بما حدث في نوفمبر 2007، حين زار الملك خوان كارلوس الأول والملكة صوفيا سبتة ومليلية، لكنهما قضيا الليل في مالقة بدلاً من المبيت داخل المدينتين. أما الزيارة الحالية، فتتضمن إقامة الملك في سبتة، وهو اختلاف لافت في الشكل البروتوكولي، وإن كان لا يكفي وحده للجزم بحدوث تحول شامل في السياسة الإسبانية تجاه المدينتين.
ويفتح هذا الاختلاف المجال لمناقشة تطور حضور المؤسسة الملكية الإسبانية في سبتة ومليلية، ومدى ارتباطه بالتحولات السياسية والدبلوماسية خلال السنوات الماضية. كما يطرح تساؤلات بشأن الطريقة التي ستتعامل بها الرباط مع هذه الخطوة، خصوصاً أن ملف السيادة على المدينتين يظل من القضايا الحساسة في العلاقات الثنائية، رغم المصالح المشتركة التي تجمع البلدين في مجالات متعددة.
المغرب أمام خيارات دبلوماسية مفتوحة
وفي المقابل، لا يمكن استباق الموقف المغربي أو افتراض طبيعة الرد قبل صدور أي إعلان رسمي. فحتى الآن، لا يتوفر موقف مغربي معلن يمكن الاستناد إليه لتحديد كيفية تعامل الرباط مع المبيت الملكي. ولذلك، يظل الحديث عن الصمت المحسوب أو الاحتجاج الدبلوماسي أو غيرهما من الخيارات في نطاق التحليل والاحتمال، لا في دائرة الوقائع المؤكدة.
وتتباين القراءات بشأن ما ينبغي للمغرب فعله؛ إذ يرى منتقدو الأداء الدبلوماسي أن تجاهل الرمزية السياسية للزيارة قد يترك المجال أمام ترسيخ الحضور الإسباني في المدينتين من دون نقاش علني، بينما يعتبر آخرون أن تجنب التصعيد قد يكون خياراً لحماية المصالح المشتركة مع مدريد، خصوصاً في ملفات الهجرة والتعاون الأمني والتبادل الاقتصادي. وبين هذين المنظورين، تبقى فعالية أي موقف رهينة بتقدير كلفته الدبلوماسية ومدى انسجامه مع الأهداف المغربية المعلنة.
مليلية المحطة الثانية في اختبار الرمزية
وبعد المبيت في سبتة، يتوجه الملك فيليبي السادس والملكة ليتيسيا إلى مليلية يوم الأربعاء 14 أكتوبر، حيث يتضمن البرنامج زيارة مجلس المدينة ومدرسة «بينتور إدواردو مورياس» الابتدائية، فضلاً عن لقاء ممثلين عن المجتمع المحلي. ويأتي ذلك بعد مشاركة ممثلين عن المجتمع المدني في المدينتين في الاحتفال بالعيد الوطني الإسباني يوم 12 أكتوبر في مدريد، في خطوة تعكس حضورهما ضمن الأنشطة الرسمية للمؤسسات الإسبانية.
وتمنح المحطة الثانية الزيارة امتداداً يتجاوز سبتة، إذ تشمل المدينتين في برنامج رسمي واحد، بما يعزز حضور المؤسسة الملكية الإسبانية فيهما. ومع ذلك، فإن تقييم أثر هذه الخطوة على العلاقات المغربية الإسبانية يظل مرتبطاً بما سيصدر عن الطرفين من مواقف، وبما إذا كانت الزيارة ستظل في حدود التواصل الداخلي الإسباني أم ستنعكس على النقاش الدبلوماسي بشأن مستقبل المدينتين.
وبين رمزية المبيت في سبتة والانتقال إلى مليلية، يجد المغرب نفسه أمام حدث يستحق المتابعة من دون التسرع في استخلاص نتائجه. فالزيارة لا تحسم وحدها ملف السيادة، كما أن غياب رد فوري لا يكفي لإثبات اعتماد الرباط سياسة الصمت. وتبقى المسألة الأساسية هي كيفية موازنة المغرب بين موقفه من المدينتين ومصالحه الاستراتيجية مع إسبانيا، في وقت قد تمنح فيه الخطوات الرمزية وزناً سياسياً إضافياً لقضايا ظلت لعقود حاضرة في العلاقات بين البلدين.

تعليقات