اليماني لـ«مغرب تايمز»: أربعة دراهم ضريبة على لتر الغازوال ومصفاة المحمدية معطلة.. فمن يدفع ثمن اختيارات الحكومة؟

لم يعد ارتفاع أسعار الغازوال والبنزين مجرد خبر اقتصادي عابر، بل أصبح مرآة تكشف مدى انحياز السياسات العمومية إلى المواطن، أو إلى حسابات أخرى. ومن خلال هذه المرآة، يوجّه الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية لصناعات البترول والغاز، رسالة إلى الحكومة، في تصريح لموقع «مغرب تايمز»، مؤكدًا أن خفض الأسعار بما يتناسب مع القدرة الشرائية للمغاربة، والحد من انعكاساتها على أسعار السلع والخدمات ومعدلات التضخم، يقتضيان اتخاذ إجراءات محددة لا تحتمل التأجيل.
ضريبة تلتهم حصة الخزينة قبل أن تبلغ المضخة
أول ما يضعه اليماني على الطاولة هو العبء الضريبي، إذ يطالب بالإلغاء العاجل للضرائب المفروضة على المحروقات. وتُقدَّر هذه الضرائب بنحو أربعة دراهم عن كل لتر من الغازوال، وخمسة دراهم عن كل لتر من البنزين. وبحسب هذه الأرقام، فإن جزءًا مهمًا مما يدفعه المواطن عند المضخة يذهب إلى خزينة الدولة، بدل أن يقتصر الثمن على كلفة التزود بالوقود وهوامش التوزيع. وهنا يبرز السؤال: إلى أي حد يمكن تخفيف العبء عن المستهلك إذا ظلت الجباية عنصرًا أساسيًا في تحديد السعر النهائي؟
مصفاة معطلة تُهدر ما يقارب ستة دراهم في كل لتر
ولا يتوقف النقاش عند الضرائب، إذ يدعو النقابي إلى حسم قرار استئناف تكرير البترول بمصفاة المحمدية، بما يسمح للمغرب بالاستفادة من هوامش التكرير المرتفعة، التي تبلغ حاليًا نحو ستة دراهم في لتر الغازوال، وفق الأرقام التي يستند إليها. ويطرح هذا المطلب سؤالًا اقتصاديًا محرجًا بشأن جدوى استمرار استيراد المحروقات المكررة، في وقت تظل فيه المنشأة الوطنية خارج الخدمة، وما إذا كان تشغيلها قادرًا على تقليص كلفة التزود بالوقود وتعزيز هامش الاستقلالية الطاقية للمملكة.
«تحرير الأسعار» على المحك: حرية السوق أم حرية الجيب الفارغ؟
وينتقل اليماني إلى القرار الذي أعاد رسم خريطة القطاع، مطالبًا بإلغاء تحرير أسعار المحروقات والعودة إلى تنظيمها وفق معادلة جديدة. وبذلك، يعيد فتح ملف خيار اقتصادي لا يزال موضع خلاف سياسي واجتماعي، خصوصًا في ظل استمرار تأثير أسعار الوقود على تكاليف النقل والإنتاج. وبين من يدافع عن آليات السوق ومن يطالب بتدخل الدولة لضبط الأسعار، يظل السؤال الذي يطرحه المواطن عند كل محطة وقود حاضرًا: من استفاد من تحرير الأسعار، ومن تحمّل كلفته؟
من يضمن المخزون حين تشتعل الأسواق؟
ويصل اليماني إلى مطلبه الرابع، المتمثل في مراجعة القوانين المنظمة لتخزين المواد النفطية وتوزيعها، مع تحديد المسؤوليات المتعلقة بضمان المخزونات. فالأمن الطاقي، وفق هذا التصور، لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى نصوص واضحة تحدد الجهات المسؤولة عند اختلال التموين، وآليات المحاسبة عندما تتأخر الإمدادات أو تشهد الأسواق تقلبات حادة. كما يطرح هذا المطلب مسألة مدى جاهزية المنظومة الوطنية للتعامل مع الأزمات الخارجية وضمان استمرارية التزود بالمحروقات.
وصفة ناقصة تعني أزمة أطول
ولا يرى اليماني أن الحلول الجزئية كافية لمعالجة الاختلالات التي يعرفها قطاع المحروقات، إذ يعتبر أن عدم اتخاذ هذه الإجراءات سيُبقي الوضع على حاله، بل قد يزيده سوءًا. ويربط ذلك باستمرار الحروب وتدمير الأصول الطاقية واضطراب الممرات التجارية، وهي عوامل تضغط على أسواق الطاقة العالمية وتزيد من صعوبة احتواء تقلبات الأسعار. وفي ظل هذه الظروف، قد تتحول التدابير المحدودة إلى مجرد حلول مؤقتة، ما لم تواكبها مراجعة أوسع للسياسات الضريبية والتنظيمية والخيارات المرتبطة بالتكرير والتخزين.
الأسرة المغربية تدفع الفاتورة النهائية
وتأتي هذه المطالب في سياق تزايد المخاوف من انعكاس تقلبات أسواق الطاقة الدولية على الأسعار الداخلية. فكل ارتفاع في أسعار المحروقات يمكن أن يرفع تكاليف النقل والإنتاج، لينعكس تدريجيًا على أسعار السلع والخدمات، ويزيد الضغط على ميزانية الأسرة المغربية. وهكذا، لا يظل النقاش حول المحروقات محصورًا بين الشركات والحكومة، بل يمتد إلى القدرة الشرائية للمواطنين، الذين يجدون أنفسهم أمام سؤال يتجاوز ثمن اللتر: هل تستطيع السياسات العمومية الحد من انتقال تقلبات الأسواق الدولية إلى تفاصيل الحياة اليومية؟
الحكومة أمام اختبار القرارات لا الوعود
وفي ظل هذه المعطيات، تظل الكرة في ملعب الحكومة التي تجد نفسها أمام اختبار يتجاوز تدبير تقلبات السوق الدولية إلى مراجعة الخيارات الوطنية المؤثرة في أسعار المحروقات. فبين الضرائب المفروضة على الاستهلاك، واستمرار توقف مصفاة المحمدية، والخلاف حول تحرير الأسعار، تتقاطع مطالب اليماني مع سؤال العدالة في توزيع كلفة الطاقة بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين والمستهلكين. ويبقى الرهان الحقيقي هو ما إذا كانت الحكومة ستتجه إلى إجراءات ملموسة تخفف العبء عن المغاربة، أم ستستمر الأسر في تحمل تداعيات اختلالات لا تملك أدوات التحكم فيها.

تعليقات