قبل وصول الملك بيوم واحد.. مدريد تخلي آخر مخيم كبير للمهاجرين في سبتة المحتلة وتترك الأزمة الإنسانية مفتوحة

كاميرات الاستقبال لا تحب المخيمات، والسلطات الإسبانية بدت وكأنها تعرف ذلك جيدًا. فقبل يوم واحد من زيارة الملك فيليبي السادس والملكة ليتيسيا إلى سبتة، أخلت السلطات الإسبانية،اليوم، آخر مخيم كبير للمهاجرين في المدينة. وبعد الثامنة صباحًا بقليل، وصلت الشرطة، مدعومة بعناصر عسكرية، إلى ساحة «إل غوانو»، حيث كان مئات المهاجرين يقيمون في ملاجئ مؤقتة.
مخيم استمر أكثر من شهرين ثم اختفى في ساعات
أسابيع طويلة من الوجود لم تحرّك المسؤولين، لكن اقتراب الزيارة الملكية حرّكهم في ساعات. أُقيم المخيم عقب تدفق أكثر من 70 ألف شخص من المغرب إلى المدينة المحتلة يومي 30 و31 يوليو، ولم يُخلَ إلا مع اقتراب موعد الاستقبال الرسمي. ولا يتضمن الخبر ما يثبت أن الزيارة كانت الدافع وراء الإخلاء، لكن التوقيت يطرح السؤال بإلحاح: هل أُنهي وجود المخيم لأن الأزمة انتهت، أم لأن الملك على وشك الوصول؟
من الساحة إلى الحافلات: صورة نظيفة وملف مفتوح
حين تُرفع الخيام، لا ينتهي الملف، بل تنتقل صورته من الساحة إلى الحافلات. فقد نُقل المهاجرون إلى مراكز الاستقبال، فيما باشرت فرق التنظيف إزالة آثار المخيم من الساحة والشاطئ. وهكذا، تبدو الساحة التي سيعبرها الموكب الملكي أكثر ترتيبًا وهدوءًا، بلا خيام ولا ملاجئ مؤقتة. غير أن ترتيب المشهد لا يعني بالضرورة معالجة الأزمة التي أفرزته.
آلاف في العراء: الأزمة التي لا تظهر في الصورة الرسمية
وراء الساحة المنظفة، ما زالت الأرقام تحكي قصة مختلفة. فمعظم الذين دخلوا المدينة عادوا إلى المغرب خلال أيام، لكن آلاف المهاجرين لا يزالون في سبتة، ويبيتون في العراء، في الشوارع وعلى الشواطئ. ولا يعني إخلاء آخر مخيم كبير أن هؤلاء وجدوا مأوى، بل إن عددًا منهم بات خارج المخيمات التي يمكن إزالتها بقرار يُنفَّذ في ساعات الصباح.
فرار إلى التلال: حين يهرب البشر من الحل المعروض
لعل أبلغ مشاهد ذلك الصباح لم تصوّره الشرطة، بل صنعه المهاجرون أنفسهم. فقد فرّ بعضهم إلى التلال القريبة تفاديًا لنقلهم بالحافلات. وهروب أشخاص من «حل» يُفترض أنه يصب في مصلحتهم يثير تساؤلات بشأن مدى ثقتهم في الإجراءات المعروضة عليهم. فالإخلاء، مهما بدا منظمًا، لا يعني بالضرورة إقناع المعنيين به أو الاستجابة لاحتياجاتهم. وهكذا، لم تُطوَ صفحة الأزمة، بل انتقل جزء منها إلى أماكن يصعب رصدها.
عشرات القتلى وأزمة أوروبية: الاستقبال الملكي فوق جرح مفتوح
حين يُعاد ترتيب الساحات قبل زيارة ملكية، يصبح التساؤل عمّن غاب عن المشهد مشروعًا. فالتدفق الذي شهدته المدينة لم يكن عاديًا؛ إذ لقي عشرات الأشخاص حتفهم خلاله، وأثار قلقًا في أنحاء الاتحاد الأوروبي، كما تسبب في أزمة سياسية في مدريد. وبعد كل ذلك، يأتي الاستقبال الرسمي في مدينة أُخليت إحدى ساحاتها للتو، في زيارة جرى التنسيق بشأنها مع الحكومة، بينما يبقى ضحايا الأزمة وتداعياتها الإنسانية خارج الصورة الاحتفالية.
زيارة «تاريخية» تحمل ذاكرة أزمة قديمة مع الرباط
ولا تأتي الزيارة في سياق عابر، إذ يثقلها تاريخ من الحساسيات الدبلوماسية. ومن المقرر أن تتبعها زيارة إلى مليلية في 14 أكتوبر، وهي الأولى لعاهل إسباني إلى المدينتين منذ زيارة الملك خوان كارلوس في نوفمبر 2007، التي أثارت آنذاك أزمة دبلوماسية مع المغرب. وبين زيارة مثقلة بالسوابق الدبلوماسية ومخيم أُخلي قبل وصول الملك بيوم واحد، يصعب تجاهل دلالة التوقيت، وإن لم يكن كافيًا وحده لإثبات وجود ارتباط مباشر بين الحدثين.
الكلمات المفتاحية: سبتة، المهاجرون، الملك فيليبي السادس، مليلية، إخلاء المخيم.

تعليقات