آخر الأخبار

خطاب الملك يقرّ بتعثر الجهوية.. فهل يدفع لفتيت ثمن تسع سنوات على رأس الداخلية؟

قال الملك ما لم يجرؤ كثيرون على قوله، لكنه لم يذكر اسماً واحداً. ففي خطابه أمام البرلمان، يوم الجمعة 9 أكتوبر، أقرّ الملك محمد السادس بأن «التأخير والاختلالات» لا تزال تعرقل تنزيل اللامركزية واللاتمركز الإداري، وبأن ذلك ينعكس سلباً على التنمية وعلى انشغالات المواطنين. وفي بلد يستعد لتشكيل حكومة جديدة، يصبح السؤال مشروعاً: لمن وُجّه هذا النقد بالتحديد؟

نقد بلا مخاطَب: حين تتوزع المسؤولية فلا يُحاسَب أحد

تتقاسم الحكومة والوزارات القطاعية ووزارة الداخلية ومجالس الجهات المسؤولية عن التعثر، ويكاد هذا التقاسم يتحول إلى حصانة جماعية. فالجهوية المتقدمة يعود إطارها القانوني إلى سنة 2015، فيما صدر ميثاق اللاتمركز الإداري في ديسمبر 2018، ما يعني أن الإصلاح استغرق سنوات طويلة من دون تحقيق نتائج ترقى إلى مستوى الانتظارات التي يعكسها الخطاب الملكي. وبين من يُحيل المسؤولية إلى الآخر، يبقى المواطن وحده من يدفع كلفة بطء الإدارة وتأخر المشاريع.

تسع سنوات من «الخبرة»: هل تُسلَّم مفاتيح الإصلاح لمن أمسك بها وتعثر؟

أمضى عبد الوافي لفتيت أكثر من تسع سنوات ونصف السنة على رأس وزارة الداخلية، منذ تعيينه في 5 أبريل 2017. ولا يعني ذلك أن الوزير وحده مسؤول عن التعثر، فتنفيذ اللاتمركز الإداري يقتضي تعاون قطاعات حكومية عدة. غير أن الوزارة، التي تشرف على الولاة والعمال والإدارة الترابية، تقع في صلب هذا الإصلاح، ما يجعل من الصعب تجاهل حصيلتها عند تقييم أسباب التأخر. وهنا يبرز السؤال اللاذع: هل يُعقل أن يُطلب من القيادة نفسها تدارك ما تعثر خلال فترة توليها المسؤولية؟

الاستقرار ذريعةً: متى تتحول الاستمرارية إلى جمود؟

يدافع أنصار الاستمرارية عن بقاء الأسماء بدعوى الخبرة والاستقرار، لكن الاستقرار لا يكون فضيلة إلا إذا أفضى إلى نتائج ملموسة. ولا يكفي طول البقاء في المنصب دليلاً على ضعف الأداء، إذ يتطلب تقييم الحصيلة الاستناد إلى مؤشرات التنمية ومستويات تنفيذ المشاريع. غير أن إقرار الخطاب الملكي بوجود اختلالات وتأخر يمنح هذا الجدل مشروعيته، ويطرح معياراً بسيطاً: ما الذي تحقق فعلياً من ميثاق صدر قبل نحو ثماني سنوات؟

لامركزية في الخطاب.. وتمركز في المرسوم؟

في الوقت الذي دعا فيه الملك إلى نقل الصلاحيات والموارد من المركز إلى الجهات والأقاليم، صدر مرسوم يثير أكثر من علامة استفهام. فالمرسوم رقم 2.26.634، الصادر بتاريخ 3 أغسطس 2026، أسند إلى فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، بصفة انتقالية، مهمة الأمر بقبض موارد «صندوق التنمية الترابية المندمجة» وصرف نفقاته. ويرتبط الصندوق ببرنامج تنموي يمتد على مدى ثماني سنوات، بغلاف مالي تقديري يبلغ 210 مليارات درهم. ومع أن المرسوم يتيح تفويض بعض صلاحيات الصرف إلى الولاة والعمال، فإن المفارقة تفرض نفسها: خطاب يدعو إلى توسيع صلاحيات الجهات، ونص يركز سلطة الأمر بالصرف في يد وزير واحد على المستوى المركزي.

لقجع والمنصوري: من يمسك فعلياً بخيوط القرار؟

تتضاعف حساسية المسألة حين يُستحضر أن لقجع التحق بحزب الأصالة والمعاصرة، الذي تتولى فاطمة الزهراء المنصوري قيادته، والمكلفة برئاسة الحكومة. وتذهب بعض القراءات إلى أن هذا القرب قد يمنحه دوراً واسعاً في توجيه السياسات المالية والتنموية، إلى حد وصفه بـ«رئيس حكومة موازٍ» إذا أُسندت إليه صلاحيات واسعة في التشكيلة الحكومية المقبلة. غير أن هذا الاحتمال يظل تقديراً سياسياً غير مؤكد، ولا يستند إلى معطيات رسمية حاسمة. ومع ذلك، فإن مجرد تداوله يكشف عن قلق بشأن سؤال أساسي: أين يتجه مركز الثقل في تدبير مليارات التنمية الترابية؟

الولاة والعمال: هل تُجدَّد النخب أم تُترك لتشيخ في مواقعها؟

يدعو الخطاب إلى تمكين المؤسسات الترابية من سلطة القرار، لكن من يقود هذه المؤسسات على أرض الواقع؟ يشغل محمد الناجم أبهاي منصب والي جهة كلميم واد نون منذ يونيو 2017، أي منذ أكثر من تسع سنوات، فيما يتولى محمد اليعقوبي ولاية جهة الرباط سلا القنيطرة منذ فبراير 2019، وعبد السلام بيكرات ولاية جهة العيون الساقية الحمراء منذ الفترة نفسها. أما محمد امهيدية، والي جهة الدار البيضاء سطات، فقد بلغ 72 سنة في أكتوبر الجاري، وراكم مساراً مهنياً في منصب الوالي منذ سنة 2007. وتطرح هذه الحالات تساؤلات بشأن معايير تجديد النخب الإدارية، خصوصاً في ظل استمرار مسؤولين تجاوزوا سن التقاعد المعتادة، وإن ظل الحكم على أدائهم رهيناً بمؤشرات التنمية، لا بطول مدة تولي المناصب وحده.

كبش فداء أم إصلاح حقيقي: ماذا لو تغيّر الوزير وبقيت المنظومة؟

يبقى مصير لفتيت معلقاً على قرار لا تتوافر بشأنه مؤشرات رسمية حاسمة، وسط تكهنات وشبهات تداولتها حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، بينها حساب «جبروت»، من دون أن تُحسم صحتها. وتحتل وزارة الداخلية موقعاً خاصاً في النظام السياسي، بحكم اختصاصاتها الأمنية والترابية والانتخابية. وإذا تغيّر الوزير، فقد يعكس ذلك توجهاً نحو تجديد القيادة المكلفة بتنفيذ ما شدد عليه الخطاب الملكي، لكنه قد يتحول أيضاً إلى مجرد «كبش فداء» يريح الجميع ويُبقي الأعطاب على حالها.

وبين تغيير الأشخاص وتغيير أساليب تدبير الإدارة الترابية، تظل المحاسبة مرتبطة بما تحقق على أرض الواقع، لا بعدد السنوات التي قضاها المسؤول في منصبه. فهل يكون تعثر الجهوية مدخلاً لإعادة تقييم أداء وزارة الداخلية وقيادتها، أم أن الحكومة المقبلة ستكتفي بتغيير الأسماء من دون المساس بطريقة تدبير الإصلاح؟ ذلك هو الاختبار الحقيقي الذي يطرحه الخطاب الملكي، وتبقى نتائجه رهينة القرارات المقبلة.

المقال التالي