خطاب ملكي برهانات كبرى: التنمية أولاً، والسيادة خط أحمر، والبرلمان أمام الامتحان

افتتح جلالة الملك بمقر البرلمان، الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولىمن الولاية التشريعية الثانية عشرة. وألقى الملك خطابا يحمل توجيهات كبرى كما يحمل رسائل للداخل والخارج.
ولعل أبرز رسالة تضمنها الخطاب الملكي، هو الطرح الجديد لقضية الصحراء المغربية. فلم يتم التطرق لهذه القضية كخلاف جيوسياسي مرتبط بالجارة الجزائر، بل تطرق الخطاب الملكي إلى مسار الجهوية المتقدمة وربطها بالنهوض بالتنمية المندمجة في بلادنا. ولم يشر الخطاب الملكيللجزائر، وهي رسالة واضحة بأن حسم الوحدة الترابية يسير وفق المقترح المغربي بعنوان عريض يفيد بأن المعركةالحقيقة هي معركة التنمية، وليست معركة أوصراع حدودي.
رسالة أخرى وجهها جلالة الملك، تخص الجارة الشمالية إسبانيا. فبعد أن ذكَّر الخطاب الملكي بتمكن المملكة “من ترسيخ مكانتها، على الصعيد الدولي، كشريك مسؤول وموثوق، يحرص على تنفيذ التزاماته، وينتظر من شركائه نفس التعامل”، أشار وبكل وضوح، إلى أن النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرةأصبح متجاوزا. ونبه الجارة إسبانيا إلى أن “الشراكة هي اختيار سيادي، والتزام إرادي، ولن تكون أبدا محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز”. وهو وضوح ما بعده وضوح.
كما أشار جلالة الملك إلى أن المغرب سيقدم لشركائه، وثيقة تتضمن رؤية استراتيجيةواضحة وعملية، تؤسس لتوجه جديد، يعزز التنمية المشتركة، والتنافسية الاقتصادية، والاستقرار الإقليمي.
ودعا خطاب الملك إلى جيل جديدمن الاستراتيجيات الكبرى، خصوصا في مجالات الانتقال الطاقي والأمن المائي والغذائي، والاقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. وربط الخطاب الملكي هذه الاستراتيجيات بظرفية استثنائية حافلة بالفرص التي قد لا تتكرر، لمواصلة الإنجازات في مختلف المجالات.
وبهذا الخصوص أهاب الخطاب الملكي القطاع الخاص الوطني، “للارتقاء إلى فاعل استراتيجي، في التحول التنموي ببلادنا، وأن يكون أكثر مبادرة وابتكارا، وأكثر قدرة على خلق فرص الشغل، وعلى الاستثمار والتصدير”.
وهي دعوة صريحة بأن ينخرط القطاع الخاص في الدينامية التنموية التي تشهدها بلادنا. وهي الدينامية التي يجب أن تنخرط فيها الأحزاب الممثلة في البرلمان، حيث اعتبر الخطاب الملكي في رسالة موجهة للبرلمانيين،أن الانتداب البرلماني هو “التزام سياسي، وتعاقد أخلاقي، يربطكم بالمواطنين. فكونوا رعاكم الله، قي مستوى هذه المسؤولية الوطنية التي تتحملونها، أمام الله، وأمام المواطنين، وأمام التاريخ” كما جاء في الخطاب الملكي.
إنها دعوة صريحة للأحزاب السياسية، في شخص برلمانييها، بأن ترفع من وثيرة عملها الميداني، لتبلغ سرعة الأوراش التنموية من أجلتحقيق “طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، في توازن وانسجام تام بين النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية”.
هذه المعادلة التي تضع النمو الاقتصادي في كفة، والعدالة الاجتماعية والمجالية في كفة أخرى، تنضاف إلى المهام الأساسية التي يجب أن يجد لها البرلمان الجديد الحلول الناجعة، إلى جانب وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية.
تعرف المملكة المغربية دينامية تنموية متصاعدة. فهل يفلح البرلمان الجديد في مجاراة هذه الدينامية في مجال فعله الحزبي وترافعه البرلماني؟
سعيد الغماز-كاتب وباحث

تعليقات